قبل اكثر من عام بقليل وتحديداً في 29 تشرين الاول من العام الماضي، قدّم رئيس الحكومة حينها سعد الحريري إستقالته، تحت ضغط انتفاضة 17 تشرين التي طالبت بأدنى حقوق الشعب اللبناني، وبتشكيل حكومة اختصاصيين خالية من السياسيين، واليوم يملك الحريري فرص العودة الى الساحة الحكومية من بوابة ورقة قصر الصنوبر، التي تؤيد مطالب المنتفضين، الذين يتحضّرون لإنعاش ثورتهم في الذكرى السنوية الاولى لإنطلاقتها، في ظل تنظيم ووحدة جديدين، وإلاعلان عن منبر اعلامي لهم، هو محطة تلفزيونية ستبدأ البث في تاريخ 17 الجاري.

وعلى خط عودة الحريري الى السراي، تبدأ الاستشارات النيابية في قصر بعبدا يوم الخميس، مع توقعات بتأجيلها في حال لم تنشط الاروقة السياسية الحكومية كما يجب، في حين انّ الرئيس الحريري بدأ نشاطه بقوة خلال عطلة الاسبوع، فأجرى اتصالاً برئيس الجمهورية ميشال عون على ان يلتقيه قبل ظهر اليوم الاثنين، كما اجرى اتصالاً مماثلاً برئيس مجلس النواب نبيه بري، وسوف يلتقيه عند السادسة من مساء اليوم، اي ان النشاط في البحث الحكومي قائم على قدم وساق، فضلاً عن لقاءات مع رؤساء الحكومات السابقين، ورؤساء الكتل النيابية لجسّ النبض، ومعرفة مدى توافر حظوظه في الوصول الى الرئاسة الثالثة.

الى ذلك إعتبرت مصادر سياسية مطلعة، بأنّ اعلان رئيس المجلس النيابي عن تاريخ بدء مفاوضات ترسيم الحدود المائية بين لبنان وإسرائيل، دفع بالمجتمع الدولي الى الاهتمام اكثر بالوضع اللبناني، بهدف رعاية هذه المفاوضات، وكل هذا دعاهم للمساعدة والاسراع بتشكيل حكومة، لذا عادت السياسة الدولية للعب دورها من جديد على الساحة اللبنانية، فبرز اهتمام اميركي الى جانب الفرنسي، لتأمين تلك المفاوضات، فوقعت عينهما على الحريري خصوصاً انّ الثنائي الشيعي لا يعارض وصوله، لكن لا يقبل بكل شروطه للعودة، كما لم تعد السعودية رافضة له كلياً، كما كانت في المرحلة السابقة، وإنطلاقاً من هنا لم يأت ترشيح الحريري من عدم، بل اتى اعلانه انطلاقاً من المرحلة التي تحتاجه اليوم، لذا وافق على ترؤسه الحكومة لستة اشهر، وفي حال إستطاع القيام ببعض الانجازات سوف يكمل او يستقيل في حال العكس، في ظل الحديث عن وساطات قائمة بقوة لإعادة المياه نوعاً ما الى مجاريها، مع رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وإن كانت صعبة جداً مع الاخير. لافتة الى ان الحريري يلاقي صعوبة بقبول الاطراف المسيحيين به، وخصوصاً القوات اللبنانية التي تربطها بالحريري علاقات التناحر والانقسامات والردود المتبادلة، وهو بدوره تناولها ببعض القسوة حين تحدث عن رئيسها سمير جعجع قائلاً «عمل مصلحتو»، فيما تشير مصادرها الى انها ستجتمع يوم الاربعاء لإعلان قرارها بخصوص تسمية الحريري او لا، فيما تشير الكواليس السياسية في معراب، بأن القوات لن تسمّي الحريري، وفي حال تشكلت الحكومة من حكومة اختصاصيين كما تطمح القوات، فقد تعطيها الثقة في المجلس النيابي. في حين يبقى تيار المردة من الاطراف المسيحية التي ستسمّي الحريري لرئاسة الحكومة.

وعلى خط الحزب التقدمي الاشتراكي، فالنائب السابق وليد جنبلاط يُبقي دائماً على شعرة معاوية مع رئيس تيار المستقبل ولا يقطعها ابداً، ويردّد دائماً في مجالسه «ما يجمعنا مع الشيخ سعد اكثر بكثير مما يفرقنا»، على الرغم من انّ الاخير لم يوّفر جنبلاط في حلقته التلفزيونية الاخيرة ،بل طالت شظاياه جنبلاط بقوة، وبدوره ردّ الاخير عليه، لكن في مسألة الحكومة تبقى السياسة قائمة من دون مفاعيل رجعية سلبية، تعكّر الاجواء بين الحريري وجنبلاط، خصوصاً في ما يتعلق بملف مصيري كتشكيل الحكومة، في هذه الظروف المتدهورة والكارثية، والتي تتطلّب الترّفع عن التناحرات وتحقيق مصلحة الوطن قبل اي مصلحة خاصة لكليهما.

وفي ما يخص تيار المستقبل، فتشير مصادرهم الى انّ قبول الحريري برئاسة الحكومة مرهون بتنفيذ شروطه بتشكيل حكومة اختصاصيين، وهو ينطلق بمبادرته من الورقة الفرنسية التي تلاها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، على مسمع رؤساء الكتل النيابية والاحزاب في لقاء قصر الصنوبر، على ان تكون مهمته محدّدة لستة أشهر فقط، فإذا نجح في مهمته يكمل تنفيذ البنود الاصلاحية ويعيد إعمار بيروت، وفي حال فشل فبالتكيد سوف يستقيل، لانه آت في مهمة انقاذية للبنان، وهذا اكثر ما يهمه.