لم يكن رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ينتظر «التهويل» الإعلامي المسرب عبر الاعلام الاميركي عن تصعيد مرتقب في المنطقة خلال الاسابيع المتبقية من ولاية الرئيس دونالد ترامب، لن يكون لبنان بمنأى عنها، ليرفع من منسوب «شروطه» الحكومية بوجه رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره السياسي، ليتجمد التاليف. واذا كان ادعاء انقاذ لبنان هو الحجة التي برر من خلالها الحريري عودته الى المسرح السياسي من «بوابة» السراي الحكومي، الا ان مصلحته الشخصية تبقى فوق كل اعتبار، فهو تبلغ صراحة من السفيرة الاميركية دوروثي شيا طلبا اميركيا بضرورة التريث، وعدم الاستعجال في تاليف الحكومة العتيدة، بانتظار شيء ما، لم تفصح عنه، لكنها نصحته بعدم الاقدام على خطوات غير محسوبة النتائج ..لكن التطور الابرز خلال الساعات القليلة الماضية كان رفع السفارة الاميركية في بيروت من درجة «التأهب» الامني الى المستوى «الخطر»، ما يطرح اكثر من علامة استفهام حول ما قصدته شيا خلال مقاربتها للوضع اللبناني وحديثها عن ضرورة الانتظار وترقب متغيّرات شديدة الاهمية ستكون انعكاساتها مهمة على الساحة اللبنانية.

ووفقا لمصادر معنية بهذا الملف، اطلق الفريق الامني العامل في السفارة الاميركية في عوكر ما يعرف «بالانذار الصامت»، وهو اجراء داخلي يجري تعميمه على نحو غير معلن، يطال رئيسة البعثة الدبلوماسية، وكل من له صلة مباشرة بالعمل الدبلوماسي في بيروت، اضافة الى كل الاجهزة الادارية والامنية المرتبطة بطاقم السفارة، ولا يشمل التدبير الطلب من الرعايا الاميركيين توخي الحذر،او تجنب مناطق لبنانية معينة، فهذه الخطوة تتخذ عادة عندما يكون الخطر المحدق مرتبط باحداث داخلية لبنانية يمكن ان تطال على نحو عرضي الرعايا الاميركيين في لبنان، لكن «الانذار» هذه المرة لا يرتبط بحدث مماثل، ويبدو ان ما هو منتظر لا يستهدف المدنيين الاميركيين او مصالحهم، وثمة اعتقاد بوجود مخاطر مباشرة تستهدف المصالح الدبلوماسية والسياسية الاميركية.

ووفقا للمعلومات، بات احد الاجهزة الامنية اللبنانية على اطلاع على حالة رفع «التاهب» الاميركي، وذلك بهدف زيادة التنسيق والتعاون، التقني والميداني، وقد طلب الفريق الامني التابع «للسي اي آيه» في عوكر من السفيرة الاميركية الحد قدر الامكان من حركتها الرسمية تجاه المسؤوليين اللبنانيين، واقتصار حركتها على الضروري منها، لضمان اكبرقدر من الحماية الشخصية لها وللموظفين العاملين بقربها، كما تبلغت اشعارا بضرورة تقييد حركتها في الاطار الخاص والامتناع عن تلبية اي دعوات غير رسمية حتى «اشعار آخر»، وقد علم في هذا السياق، ان شيا اعتذرت عن تلبية دعوات شخصية سبق والتزمت بها مع بعض الاصدقاء، بحجة انتشار «كورونا» في لبنان...يضاف الى ما تقدم، وصول تعزيزات بشرية من قبرص الى مبنى السفارة في عوكر، حيث تم ابقاء مجموعة الحماية الموجودة ولم يجر تبديلها كما جرت العادة، واضيف اليها المجموعة الاخرى المعززة بخبراء مكافحة «الارهاب»..!

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، لا يمكن اعتبار هذه الاجراءات الاميركية مفاجئة، وانما تاتي في سياق الاجراءات العملانية التي تترافق عادة مع «حركة» عسكرية او امنية معينة تتجه لاتخاذها القوات المسلحة او الاجهزة الامنية الاميركية، وتتحسب من خلالها لردات فعل محتملة، وفي هذا السياق، يأتي رفع درجة المخاطر الامنية في بيروت منسقا مع رفعه في دول المنطقة حيث شملت حالة الانذار العراق، وسوريا، وافغانستان، ودول الخليج العربي، تزامنا مع قرار البنتاغون سحب غالبية القوات المنتشرة على الاراضي العراقية والافغانية، حيث سيبقى في كل بلد قوة رمزية لا تتعدى ال2500 عسكري، فيما يسود الترقب الموقف في سوريا، مع وجود ترجيحات بحصول انسحاب مفاجىء لكامل القوات من هناك في وقت ليس ببعيد.

ولا يزال الغموض سيد الموقف حيال اتخاذ قرار الانسحاب، تزامنا مع معلومات عن ضربات منتقاة تعد لها ادارة الرئيس دونالد ترامب ضد مصالح ايران وحلفائها في المنطقة، بعض هذه العمليات عسكري، وبعضها الاخر امني، يستهدف شخصيات مؤثرة في هذا «المحور»، وهو ما يفترض تخفيف المخاطر عبر تقليل انتشار الجنود الاميركيين في ظل توقعات استخباراتية بعدم جاهزية اي طرف لخوض حرب شاملة في المنطقة.. وهذا ما يفسر ارتفاع الجهوزية الامنية لدى اطراف الصراع في المنطقة، حيث تترافق الاجراءات الاميركية مع رفع مقابل في مستوى الاستنفار لدى القوى الموضوعة على لائحة الاستهداف والتي دعاها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله للجهوزية للرد على اي اعتداء محتمل..

وفي هذا السياق، لا يخفي الاميركيون خشيتهم هذه المرة من التعرض لردود فعل مباشرة على اي استهداف امني يتعرض له حزب الله في لبنان او سوريا، ووفقا للمعلومات تشير التقديرات الاستخباراتية لدى السفارة الاميركية في عوكر الى ان «اسرائيل» لن تكون وحدها المستهدفة في حال تم استهداف قيادات امنية او عسكرية رفيعة المستوى في حزب الله، وثمة تحذيرات جدية بوجود مروحة خيارات واسعة لدى الحزب ومنها استهداف المصالح الاميركية على الساحة اللبنانية، وفي المنطقة في حال خوض الاسرائيليين بالشراكة مع الاميركيين اي مغامرة بهذا الحجم، وبحسب تقديراتهم، لن يكونوا بعيدين عن دائرة الاستهداف هذه المرة.

في الخلاصة، الجميع بانتظار انتهاء «عاصفة» ترامب، ويتعاملون بحذر شديد مع اسابيعه الاخيرة في البيت الابيض، فيما الترقب يظلل مرحلة بايدن، البعض في لبنان يغامر «بالمقامرة» على احداث قد لا تقع، وقد لا تكون الا تهويلا، لكنهم يتحسبون كما الجميع في المنطقة، ويتحضرون للاسوأ، فالرجل الذي تجرأ على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وامر باغتيال الرئيس السوري بشار الاسد، وفكر بضرب مفاعل ناطنز النووي في ايران، ووضع بلاده على حافة الحرب الاهلية، لا يؤمن جانبه، وسيفعل بنرجسيته المعهودة كل شيء ليخرب وراءه، الا اذا منعته من فعل ذلك الدولة العميقة في واشنطن..؟