«الحرتقة» السياسية التي بادر اليها رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن القومي في مجلس النواب الأميركي النائب جو ويلسون، لاستهداف اميركي جديد للاقتصاد اللبناني بملاحقة البنوك، والبلديات ثم «دس» اسم المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، بشكل يبدو مفتعلاً ومقصوداً، لادارجه على لائحة العقوبات الاميركية، يثير الكثير من التساؤلات ويطرح علامات تعجب كبيرة.

من الظواهر الفاقعة التي تحتاج الى التوقف عندها مطولا، التناغم الغريب احيانا كثيرة بين ما يتعرض له لبنان من الخارج، من انتقادات او ضغوط او حملات تشويه، وبين الاصوات التي تلاقيه في الداخل اللبناني، ومن لبنانيين، وكأنما الرهان على الخارج صار أمرا طبيعيا ومسلما به، وفرصة انتهازية للبعض للارتماء بأحضانه بالكامل والمساهمة في تهشيم مقدرات البلد وطاقاته وبنيانه.

صحيح ان الجميع متفق على الحاجة الى تغيير كبير في لبنان من أجل اصلاحه وتطويره، لكن ذلك شيء، وتبني كل ما يأتي من الخارج، حتى لو كان يصل الى حدود «تخوين» الآخرين وتبني الاتهامات بحقهم وتشويه صورتهم والترويج لمحاصرتهم، شيء آخر، أكثر ما يكون بعدا عن مفاهيم الوطنية الجامعة وحتى الاخلاق الانسانية.

ولقد توقف كثيرون عند التلاقي اللافت للحملة التي واكبت زيارة المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم الى واشنطن، وبعد عودته الى بيروت، وهو يقوم بمهمات مرتبطة بشكل وثيق بمصالح لبنان واللبنانيين. اذ ما ان خرجت بعض الأصوات الاميركية المعروفة النزعات، بانتقادات وتشويه طاولت اللواء ابراهيم ومهمته، حتى انبرت اصوات لبنانية لملاقاتها، بل والمزايدة عليها للنيل لا من اللواء ابراهيم وحده، وانما من الامن العام اللبناني، ومن اجهزة الدولة اللبنانية، ثم جرى تتويجها بمشروع القرار الذي قدمه النائب جو ويلسون باسم النيل من «حزب الله» عبر البنوك العاملة في مناطق محددة في لبنان، ثم ادراج اللواء ابراهيم بالاسم ضمن بند اضافي، يخضع لاحتمالات التفسير والاستثمار!

لم يعد سرا ان جانبا من الدور الذي يلعبه اللواء ابراهيم عنوانه «انساني بامتياز»، ويتعلق بمفقودين اميركيين في سوريا، وهو مرتبط ايضا بلبنانيين موقوفين في الولايات المتحدة نفسها، بالاضافة الى جوانب سياسية وامنية مرتبطة بلبنان واستقراره، خصوصا في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها بسبب الاوضاع الاقتصادية المزرية والاهتزاز السياسي القائم، وهي حركة من جانب اللواء ابراهيم تستند على مبادئ واضحة اولها المصلحة اللبنانية المباشرة، وثانيها ابلاغ الاميركيين برسالة واضحة ان الحوار لمقاربة أزمات المنطقة، اجدى من سياسة الضغوط والعقوبات التي لا تنتج سوى القلق والتوترات، وفق ما صرح به اللواء ابراهيم بنفسه لوسائل اعلام اجنبية ولبنانية ولمجلة الامن العام.

الكل يدرك ان سلسلة العقوبات الاميركية تحت مسمى «قانون قيصر» او «قانون ماغنيتسكي»، لا تلحق ضررا بشخصيات او حكومة معينة مستهدفة وانما بالناس، بعموم الناس من لبنانيين وسوريين وغيرهم، وقد شاهد اللبنانيون بوضوح قاس كيف ان اسقاط بنك «جمال ترست» كان، بجانب عوامل لبنانية داخلية أخرى، شرارة راح يتداعى بعدها بنيان الهيكل المصرفي والمالي في البلد.

زيارة اللواء ابراهيم الرسمية، وبدعوة من مستشار الامن القومي الاميركي روبرت اوبراين، تصب مباشرة في حماية لبنان، باعتبار ان فكفكة عقد التوتر في المنطقة لا سيما الاميركي - السوري، لا يمكن الا ان تصب في صالح لبنان واستقراره. ولهذا يبدو ان الهجمة بدأت بمقال في صحيفة «واشنطن بوست» الاميركية، كتبه المحلل السياسي جوش روغين، وهو يهودي، له حضور كثيف في وسائل الاعلام الاميركية بينها ايضا «سي ان ان» و «بلومبيرغ» وغيرها، وله كتابات وآراء معروفة تقارب افكار وسياسات العداء الاميركي لمصالح المنطقة واستقرارها.

وليس ذلك وحده ما يميز جوش روغين باعتباره اعلاميا بارزا في المشهد الاميركي، اذ سبق له ان «خان الامانة» الصحافية خلال فترة تولي جون كيري وزارة الخارجية الاميركية، حيث قام بتسجيل نقاش مغلق غير مصرح للاعلام بنشره للنيل من الادارة الديمقراطية في البيت الابيض، يقول خلاله كيري بان اسرائيل تجازف بالتحول الى «دولة فصل عنصري»، فنشر روغين مقالا في صحيفة «ديلي بيست» حول هذا التصريح، ما أحرج كيري وأجبره على الاعتذار لزعماء اليهود والمسؤولين الاسرائيليين، ودافع روغين عن تصرفه اللااخلاقي بالقول انه لم يكن حاضرا هذا اللقاء المغلق وانه حصل على المعلومة من تسجيل قام به احد الحاضرين، ليتبين لاحقا انه كان يكذب، وانه هو من قام بالتسجيل بنفسه بحسب اعترافه اللاحق.

روغين الانتهازي هذا، كتب في مقاله حول اللواء ابراهيم انه «حليف للاسد، ومنتهك لحقوق الانسان وتابع لحزب الله»، معتبرا انه يستخدم منصبه كمفاوض على الفدية لتشريع وتلميع صورته الخاصة ومكانة حزب الله الداخلية.

هجمة روغين على وسيط لبناني، أطلق ويسعى الى اطلاق سراح مفقودين اميركيين في سوريا، وساهم في اطلاق العديد من الرهائن والمخطوفين خلال الحرب السورية، بمعايير اميركية تبدو فعلا مثيرة للشكوك، خصوصا انها أثمرت سلسلة من الهجمات المتتالية، كالتي صدرت من باحثة مغمورة تعمل من منبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى، المعروف بانه بمثابة مركز موال للمحافظين الجدد الموالين لاسرائيل داخل الولايات المتحدة، يروج للمصالح الاسرائيلية الكاملة، ويتخذ عبر تقاريره وتصريحات الباحثين فيه، مواقف واضحة في عدائها للبنان وسوريا وايران.

الباحثة نفسها، وهي اللبنانية حنين غدار، كانت ايضا من اوائل المبادرين الى محاولة تشويه صورة اللواء ابراهيم، وقالت مع وصوله الى واشنطن للقاء مستشار الامن القومي الاميركي روبرت اوبراين ومديرة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، ومساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادني ديفيد هيل، ان زيارته انتصار للطبقة السياسية اللبنانية المدعومة من حزب الله.

واعتبرت غدار، في تصريحات لمراسلة صحيفة «ذاي ناشيونال» الاماراتية الصادرة بالانكليزية، انها «خطوة جيدة من اجل كسر عزلة الحكومة اللبنانية والنخبة السياسية»، متلقفة بذلك الى عقوبات اميركية كانت فرضت وقتها على شخصيات سياسية لبنانية. كما اعتبرت غدار التي لها من خلال عملها في المعهد الاميركي، تواصلا واسعا مع مسؤولين وباحثين اسرائيليين او اميركيين موالين لاسرائيل، ان «هذه النخبة، خصوصا من حلفاء حزب الله، تحاول استغلال هذه المحادثات مع الولايات المتحدة من اجل تجنب المزيد من العقوبات قبل الانتخابات الاميركية، ويأملون انه من خلال المفاوضات، ومجيء السيد ابراهيم الى اميركا، فانهم قد يتمكنون من تجنب العاصفة (العقوبات والضغوط) الى ان يحن موعد الانتخابات».

ومن أجل تحريف اضافي لزيارة اللواء ابراهيم واهدافها، تعتبر غدار، ان زيارته الاميركية تمثل ضربة للناس المحتجة في شوارع بيروت.

ولاحكام حلقة التضخيم، نشر تسيفي بارئيل في صحيفة «هارتس» مقالا قبل ايام، يقول فيه ان «اسرائيل ستكون مسرورة» اذا وقع الرئيس الاميركي مشروع القرار الذي تقدم به النائب الاميركي ويلسون، الذي يستهدف بلديات وبنوك بمناطق لبنانية يسيطر عليها حزب الله بذريعة «تجفيف مصادر التنظيم الذي يعمل باسم إيران».

لكن بارئيل يشير في مقاله الى تساؤل لأحد بنوده، فيما إذا لم يشكل هذا إطلاق نار على القدم... سيضمّن الرئيس اسم اللواء عباس إبراهيم، في قائمة الأشخاص الذين ستفرض عليهم عقوبات».

تذكّر «هارتس» بمحطات في مسيرة اللواء ابراهيم، مشيرة الى انه كان ضابط الارتباط بين الجيش اللبناني والقوات الدولية لتطبيق قرار الأمم المتحدة 1701 الذي أنهى حرب لبنان الثانية، وتولى معالجة شبكة العلاقات بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والجيش اللبناني، وكان مشاركاً في الحوار بين فتح وحماس في لبنان، وبين حزب الله وحكومة لبنان، وهو شخصية رئيسية في محادثات ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان، وله علاقة وطيدة مع نظام الأسد وإيران ومع نظرائه في الإدارة الاميركية.

وكتبت الصحيفة «تعرف الإدارة الاميركية تشعب شبكة العلاقات التي يحظى بها إبراهيم مع حزب الله وسوريا وإيران. وقال مصدر سياسي أميركي للصحيفة إن لإبراهيم دوراً كبيراً في تسوية الأمور قبيل تشكيل حكومة جديدة في لبنان برئاسة سعد الحريري، وأن الإدارة الاميركية تولي أهمية كبيرة لإسهامه في استقرار الساحة السياسية في لبنان».

ثم تساءلت «إذاً ما الذي دفع أعضاء مجلس الكونغرس لفرض عقوبات شخصية عليه؟ يكمن الجواب كما يبدو في قصة شخص اميركي آخر هو عامر الفاخوري، الذي كان مدير سجن الخيام...وعاد إلى لبنان بعد حصوله على تعهد من الرئيس والحكومة اللبنانية بألا يصيبه مكروه، ولكن تم اعتقاله في أعقاب ضغط عام. ثم أطلق سراحه عقب تهديدات من الإدارة الأمريكية بإلحاق عقوبات على لبنان. توفي الفاخوري بسبب المرض بعد خمسة أشهر على ذلك».

وذكرت «هارتس»، «نستنتج أن مشروع قانون العقوبات هذا يضع الإدارة الاميركية في معضلة معقدة. وإذا صودق عليه يتوقع أن تفقد الإدارة أحد الوسطاء الأكثر أهمية في إدارة المفاوضات بشأن إطلاق سراح المعتقلين الاميركيين، ورجل اتصال مهماً لمعالجة الأزمة في لبنان. وإذا فرضت الإدارة الاميركية الفيتو على مشروع القانون، فستظهر وكأنها لم تؤيد محاربة مصادر تمويل حزب الله. وفي هذه الحالة، سيكون إبراهيم نفسه في وضع محرج، حيث سيتضح حينها أنه الشخص الذي يثق به الاميركيون، الذين لم يترددوا في فرض عقوبات على سياسيين لبنانيين آخرين، لكنهم أعفوا رئيس المخابرات منها».

وبرغم هذه القراءة الاسرائيلية لحساسية الموقف، تتولى اصوات انتهازية في لبنان، من بينها ما نشر في بعض الصحف والمواقع الالكترونية مؤخرا، احتضان الهجمة الاميركية، وتروج لمجموعة من الافكار من بينها ترجيح تطبيق العقوبات على اللواء ابراهيم، وتصويرها على انها رسالة حازمة قد وصلت اليه والى من يعنيهم الامر من زملائه من قادة الاجهزة الامنية مفادها: «انتم في مرمى العقوبات ولا خيمة فوق راس اي منكم ولا غطاء مهما توسّعت وتشعّبت علاقاتكم الاقليمية والدولية»، ويطلق سهام التشكيك بشكل مباشر على «شعبة المعلومات» وتتهمها بتحمل مسؤولية كبيرة توجب استقالة قيادته نظرا «لفشله في حماية بيروت» بسبب انفجار المرفأ.

كما تتبنى هذه الاصوات بعض الاتهامات الاميركية الواردة في مشروع قرار النائب ويلسون وغيره، ضد الاجهزة الامنية الرسمية، بانها على تعاون وثيق مع حزب الله من خلال التغطية على نشاطاته التي تعتبرها اميركا عاملا مزعزعا للاستقرار في لبنان، وهو ما يشرع وضع قيادتها على لوائح العقوبات الاميركية.

تعتبر ايضا ان الهجمة الاميركية ربما تندرج في اطار قرار خارجي أميركي جديد بتدمير المنظومة السياسية الامنية اللبنانية الإيرانية؟ متسائلة عما اذا كانت لهذه المنظومة مقوّمات الصمود.

في كل الاحوال، فان الرهان الان على مشروع قرار النائب ويلسون بين بعض هذه الاصوات اللبنانية، اكبر من صاحب مشروع القرار نفسه! في مسودة مشروع القرار الذي طرحه والذي قد يتطلب شهورا عديدة قبل ان يمر، هناك بند واضح يقول تحت عنوان «اللائحة»، «ان يقر الرئيس في هذه اللائحة أن هذه الشخصيات قدمت عن علم دعماً مادياً لحزب الله أو شاركت في صفقة كبيرة معه أو استوفت معايير العقوبات بموجب قانون منع التمويل الدولي لحزب الله، أو قانون تعديل التمويل الدولي لحزب الله، أو قانون ماغنيتسكي العالمي لحقوق الإنسان والمساءلة».

لكنه تحت عنوان «متطلبات اضافية»، يقول بالنص «الرئيس سوف يقوم بإدراج اللواء عباس إبراهيم، المدير العام للأمن العام في لبنان، على القائمة المطلوبة بموجب هذا القسم الفرعي». كما ينص تحت بند الاستثناء والتنازل والاعفاء، انه «يجوز للرئيس التنازل عن فرض العقوبات بموجب القسم الفرعي في ما يتعلق بأي فرد. وذلك في حال أن الرئيس، قرر أن هذا التنازل يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة».

المثير فعلا للعجب والاشمئزاز، ان بعض اللبنانيين مستعدون للخروج من جلودهم، من أجل «تلاقح الافكار» مع كل ما يستهدف البلاد وامنها واستقرارها من دون حتى تكليف انفسهم التفتيش عن الحقيقة.