لا نجازف بالقول أن الحرب الأخيرة على هذين البلدين التي أُشعلت باسم الثورة على الطغيان والديمقراطية، مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، وهذه مدة كافية لإسقاط الدولة وشرذمة المجتمع الوطني في أغلب البلدان . يجدر التذكير هنا بأن محاربة الطغيان وإرساء الديمقراطية كانتا أيضاً هدفين للحرب الأميركية على العراق في سنوات التسعين من القرن الماضي قبل تبنيهما من «ثورات» ما يسمى «الربيع العربي». الأمر الذي يفرض على الباحث أو المراقب أن يقارب الأحداث من خلال العلاقة بين حرب أميركا و«ثورات الربيع العربي» من جهة وأن يقيّم إنجازاتها بمعياري الطغيان والديمقراطية.

ولكن الخوض في هذا الموضوع يحتاج إلى تفاصيل لا تتسع لها هذه المقالة، لذا سنكتفي بالتوقف عند دلالات حملة القصف العدواني الذي وقع في ليلة الميلاد في سوريا حيث شمل عدة مواقع من جنوب البلاد إلى شمالها .

كان لافتاً في هذه الحملة العدوانية، توقيتها في ليلة الميلاد. يحق لنا أن نفترض أن اختياره كان عن قصد، وأن فحوى الرسالة المضمنة هو منع السوريين في سوريا من ممارسة شعائر الميلاد . من المعلوم في هذا السياق أن المسيحيين العراقيين هوجموا في كنائسهم واضطهدوا، أثناء «الثورة الأميركية» في سنة 2003، فاضطر الكثيرون منهم (أغلبهم) إلى الهجرة. أغلب الظن أن الهجرة في عموم البلاد السورية تطال المسيحيين بنسبة أعلى ...

بالعودة إلى الواقع المعاين، فمن البديهي أن حملات القصف المتكررة على سوريا هي براهين دامغة على مشاركة إسرائيل في «ثورة الربيع العربي»، أو بكلام أكثر وضوحاً وصراحة، هي براهين على رضى «الثورة» عن هذه المشاركة، فلو كان الأمر عكس ذلك لأعلن «الثوار» اعتراضهم ضد التدخل الأجنبي في شؤون بلادهم الداخلية ودعوا إلى رص الصفوف والاتحاد ذوداً عنها. ولكن هذا الكلام هو هراء حيث يفتقد الوعي .

لا أظن أننا نبالغ في القول أن الانطباع لدى المتتبع لما يجري في سوريا، وفي لبنان أيضاً، هو أن المصير الوطني، ليس في ظاهر الأمر، على رأس هموم غالبية الناس، أو قل أنه شأن سلطة الدولة السورية، ( ليس في لبنان دولة، وإنما هناك سلطات على الطوائف ) إلى جانب أطراف غيرها هي روسيا وأميركا وتركيا وإسرائيل وإيران ( وفرنسا في لبنان ). الجدير بالملاحظة أن السلطة السورية مدعومة من إيران، هي الأضعف بعد عشر سنوات من الحرب، وأن التفكك والتشرذم أخرج فئات واسعة من المعادلة الوطنية، على شكل نازحين أو مهاجرين، أو حياديين . هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فإن الأطراف الأربعة الآخرين، يحتل كل منهم موقعاً في سوريا، وله أنصاره وجنده على الأرض، ولا يخفي أنهم يتباحثون في موضوع سوريا وانهم توافقوا على أن لا يتصادموا، ونحن لا نتمنى أن يتصادموا ولكن أن يخرجوا من سوريا ويستعيد السوريون بلادهم بكل الوسائل المتاحة ...!!!...