يخوض العونيون مواجهة عنيفة بوجه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. هم يدركون ان ما خسروه بمجرد عملية تكليف الحريري لن يكون الا جزءاً بسيطاً من خساراتهم المرتقبة بالجملة في حال رضخوا للرئيس المكلف وساروا بالتشكيلة التي حملها الى بعبدا وقالوا منذ اللحظة الاولى انها تفتقر الى وحدة المعايير. اصلا القيادة كما الجمهور، لم يعودا يستوعبان مزيدا من الصفعات ومن الخسارات. فقد تلقيا خلال الاعوام الـ 3 الماضية ما لم يتلقاه فريق سياسي خلال عشرات الاعوام، حتى تعتقد لوهلة انهم تكيفوا مع الموضوع، قبل ان يتبين ان اي هزة جديدة قد تهدد كيانهم الذي تمكن من استيعاب الانسحابات والانشقاقات المتواصلة منذ تكليف النائب جبران باسيل رئاسة التيار.

المعركة الحالية لتحصيل «حقوقهم الحكومية» التي ارتأوا تحويلها الى معركة لحماية وتحصيل الحقوق المسيحية ظناً انهم بذلك يكسبون الشارع المسيحي الى جانبهم ويستجلبون نوعاً من تعاطف او تأييد القوى المسيحية الأخرى، لا تشبه اي معركة اخرى خاضوها. فهي كفيلة وحدها برسم مسار المرحلة المقبلة والجزء الاخير من العهد الذي سيحاول جاهداً تبييض صورته بعد كل محاولات ضربه وإسقاطه.

آخر ما يريده العونيون اليوم تسليم الحريري الحكومة ومن خلالها البلد ... هم مقتنعون انه في حال تنازلوا في هذا المجال، ستتوقف كل مشاريعهم التي يصفونها بالاصلاحية والتي من شأنها في حال سلكت مسارها، بحسب وجهة نظرهم، ان تؤدي الى تسليم الرئيس عون بلدا أفضل ولو بقليل من ذلك الذي استلمه.

الا ان ما يجعل المعركة العونية أصعب من اي وقت مضى، ان الثنائي عون - باسيل مضطر الى خوضها وحيدا في ظل احجام حزب الله عن دعمه فيها. فكل السلبيات التي يراها العونيون بالحريري، لا تبدو للحزب ذات قيمة ما دام رئيس «المستقبل» قادراً على تجنيب الداخل اللبناني كباشاً سنياً - شيعياً في حال دعم الحزب تكليف شخصية اخرى قريبة منه تشكيل الحكومة، وما دام هو قادراً على الاتيان ولو بكميات ضئيلة من الدولارات المفقودة لتحريك عجلة الاقتصاد ووضع حد للانهيار.

يرى الحزب ان العونيين يطرحون عناوين كبرى ورنانة، ومن بينها مؤخراً تغيير النظام، فيما المطلوب حصراً في المرحلة الراهنة التخفيف من وقع الارتطام في ظل عملية السقوط الحر المتواصلة منذ اكثر من عام. بحسب مصادر مطلعة على جو الحزب، المرحلة لتأمين خبزنا كفاف يومنا، على ان نعود بعدها للعناوين الكبرى بعد اعادة القطار الى سكته الصحيحة، والا نكون كمن يغير محرك قطار من دون مكابح ... قطار هالك لا محال!

لا يعني عدم تأييد حزب الله للسياسة العونية في مقاربة الملف الحكومي، ان الحزب تخلى عن العونيين، اذ تشير المصادر الى انه لو صح ذلك لخرج الحزب منتقدا أداء معيناً، الا انه بالعكس يلتزم الصمت المطلق ويحصر اي موقف حزبي بما يصدر عن الامين العام لحزب الله.

وهنا تضيف المصادر: «في خضم الكارثة الوطنية الكبرى المتمثلة بتفشي كورونا والتي تتزامن مع انفجار الازمتين المالية والاقتصادية، آخر ما يريده اللبناني سماع المزيد من المهاترات السياسية وتبادل الاتهامات بالعرقلة والتأزيم ... لذلك يحاول الحزب ان يقوم بدور الموفق، واذا امكن الوسيط، وهو ان كان قد انكفأ قليلا في الايام الماضية، فليضمن تراجع حدة «المشكل» الذي بلغ مداه بعد الفيديو المسرب للرئيس عون».

اذا لم ينجح العونيون في كسب تعاطف القوى المسيحية الاخرى بتحويل معركتهم معركة ذات بعد طائفي، كما انهم لم يستطيعوا ان يقنعوا حزب الله بخوض المعركة معهم، فهل يجبرون على التراجع خطوة الى الوراء لحفظ ماء الوجه، ام ينجح مخططهم القاضي بالضغط على الحريري فيسير بالحكومة التي يريدونها؟!