أبو عثمان الجاحظ يقول لكم، يا أثرياء لبنان... اخجلوا!

هؤلاء الذين فاقوا أهل مرو، وحيث الديك ينتزع حبة القمح من منقار الدجاجة، بالأيدي المقفلة، وبالقلوب المقفلة، وبالعيون المقفلة، وبالآذان المقفلة، وبالضمائر المقفلة...

مضحك جداً مصطلح «العدو الصهيوني»، كما لو أن الأيام لم تظهر أن اللبناني عدو اللبناني (مثلما العربي عدو العربي).

لا نتصور أن تماثيل الشمع الذين جلّهم من الساسة، أو ظلالاً أو شركاء لهم، لم يعلموا بالاستنفار الذي حصل لدى أثرياء اليهود لتأمين ما يلزم لاسرائيل للتصدي للكورونا، وقد أوصلوا اللقاح لها ربما قبل أي دولة اخرى. هذا حين كان أداء المسؤولين مثالياً في احتواء الجائحة، ودون ترك مصابيهم يموتون، كما القطط الهرمة، في الزوايا.

أين الشيخ امام اللبناني الذي يغرز أظافره في وجه «مليارديرات الملاليم». روبرت فيسك، زميلنا الانكليزي الرائع، حين تجول في بعض أحياء طرابلس، تحدث عن «فقراء كلكوتا» في المدينة.

لن نستبعد، اذا ما بقيت الأوضاع تتدهور هكذا، أن نرى أطفالنا، مثل أطفال كلكوتا الهندية والريو البرازيلية، ينامون على الأرصفة، وتأكلهم الكلاب ليلاً. هذا فيما مهراجات الجمهورية يتصارعون حول الحقائب، دون أن يكترثوا بوجود لبنان في غرفة العناية الفائقة يلفظ أنفاسه الأخيرة. انها، أيها السادة، الفضيحة، التراجيديا، ذات الأجراس!!

كيف، ثم كيف، ثم كيف ؟ نحن اللبنانيين أصحاب القباقيب الذهبية الذين خلقنا الله وكسر القالب. انوفنا تكاد تلامس المريخ، ولا نتوقف عند فقرائنا الذين يزدادون عدداً، ومعاناة، يوماً بعد يوم، دون أن تتمكن أيديهم حتى من أن تلامس رغيف الخبز...

كل تلك الأهوال، ولا تظاهرة، ولا صرخة، ولا أحد يشعل النار في ثيابه أمام الملأ. هذا الكلام يبقى دون أي معنى. حتى لو أحرقنا أنفسنا كلنا (الرعايا الحفاة) في الشوارع، وأمام القصور، وحتى على سطوح منازلنا. هل ثمن من يرف لهم جفن بين تلك الجدران الناطقة؟

سألني أحدهم «شو قصة بهاء الحريري؟». القصة التي انتهت قبل أن تبدأ. الرجل وعدنا بأنه سيطلق مشروعه لانقاذ لبنان قبل نهاية العام. ألم يكن حرياً بمستشاره العبقري جيري ماهر أن يضيف الى بياناته المتلاحقة بياناً آخر يبرر انكفاء معلمه لأن السكوت هكذا بمثابة الخطوة الأولى، والكبرى، نحو الموت السياسي.

حضرة المستشار أوحى لنا بأن الشيخ بهاء سيهبط من المدخنة حاملاً الخلاص لبني قومه. هل حقاً انه «اختفى»، أو آثر البقاء وراء الباب، بعدما خسر رهانه على عبور دونالد ترامب الى الولاية الثانية؟

حتى الآن لا نعلم ما هي قضيته، ولماذا لم يدخل الى الحلبة على حصان أبيض بدل الدخول على حصان خشبي بعدما أكد أنه آت لازالة الركام السياسي، والركام الاقتصادي، والركام المالي الذي نرزح تحته، دون أن يكون هناك من افق للبلد الذي طالما نظرنا اليه على أنه أريكة القمر، وكدنا نقول... أريكة الله!

ألم يقل أحد لبهاء الحريري باستطاعتك أن تتقدم الصفوف اذا ما تجاوزت أثرياء هذا البلد (الذين ينتزعون حبة القمح من منقار الدجاجة)، ودفعت مائة مليون دولار أو مائتي مليون دولار، وهذا ليس بالشيء الكثير قياساً على ثروتك الهائلة، من أجل تأمين مستشفيات ميدانية مجهزة بالكامل لمعالجة المصابين بالكورونا، بعدما غصت حتى أروقة المستشفيات، وحتى سيارات الاسعاف، بالضحايا؟

نقول لأثريائنا، وجلّهم من أولياء أمرنا، لماذا لا تفتحون صناديقكم، ولماذا لا تبيعون جواهر نسائكم، من أجل تأمين الهواء، فقط الهواء، لرعاياكم ليبقوا على قيد الحياة وليهتفوا لكل منكم «بالروح، بالدم نفديك يا... ظل الله على الأرض».

اخجلوا، ولو مرة واحدة، قبل أن تستفيقوا، ذات يوم، لتجدوا أنفسكم زعماء على المقابر، وتنتظركم... المقابر!