تكثر في الآونة الأخيرة مطالبة بعض الأحزاب والأطراف السياسية بإجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، بغية تغيير أحجام الكتل النيابية الحالية وانتخاب أكثرية جديدة في البرلمان بإمكانها، من وجهة نظرها، إخراج البلاد من أزماته. وتأتي هذه المطالبة على خلفية انتفاضة 17 تشرين من العام 2019 التي رفع فيها الشعب شعار «تغيير النظام وإسقاط حكم المصارف والطبقة السياسية الفاسدة». لكن يبدو أنّ الذين يُراهنون على تبدّل المزاج الشعبي لإنتاج سلطة جديدة «تحكم البلد ولا تتحكّم به»، على ما يقولون، قد نسوا أو تناسوا بأنّ الثوّار الفعليين قد حمَلوا خلال تظاهراتهم شعار «كلّن يعني كلّن» أي أنّهم طالبوا (ولا يزالون) بسقوط كلّ الطبقة السياسية التي حَكَمت البلد منذ 30 سنة من دون أي إستثناء. وإن حاولت بعض الأحزاب التنصّل اليوم من مسؤولية مشاركتها في الحكم، وبالتالي من التورّط بالفساد، والإدّعاء بأنّها أحزاب مدنيّة، أو أنّها تقف الى جانب الشعب وحقوقه ومطالبه، فإنّ مثل هذه المحاولات لن تنطلي على هذا الشعب نفسه.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إذا جرت الإنتخابات النيابية المُبكرة، على ما يُطالب البعض، أو في موعدها في أيّار من العام 2022، هل يعود «التيّار الوطني الحرّ» الذي يُشكّل اليوم أكبر كتلة نيابية، بعدد النوّاب نفسه أي بـ 29 نائباً (قبل استقالة ثلاثة منهم إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب وخروج اثنين منهما من «التيّار»)، أم أنّه سيفقد عدداً من مقاعده النيابية لاعتبارات عدّة؟!

مصدر سياسي في «التيّار الوطني الحرّ» أكّد بأن لا أحد يُمكنه الإجابة عن هذا السؤال سوى صناديق الإقتراع. فمسألة الربح والخسارة، والحزب الأكثر شعبية أو الأقلّ شعبية لا تُحدّدها المواقف والآراء، ولا الآمال والأوهام من هذا الطرف أو ذاك بل أصوات الناخبين. وتلعب الإنتخابات الفرعية والنقابية والطلابية دوراً في تحديد الأحجام الفعلية. وقال إنّه بالنسبة لـ «التيّار» فإنّ شعبيته في شارعه، بحسب معطياتنا، لم تتغيّر على الإطلاق، بل كسب المزيد من المصداقية لدى الناس، ويبقى الأكثر تمثيلاً في بيئته المسيحية.

وعن تغيّر المزاج الشعبي أوضح أنّه تبدّل بشكل عام بسبب الأوضاع التي آلت إليها البلاد، لكنّ «التيّار» ليس وحده المسؤول عمّا حصل منذ 30 سنة من الحكم وحتى اليوم. وإذا كان الشعب لم يعد يثق بالسلطة ككلّ، فأعتقد بأنّه يميّز تماماً بين الفاسدين والنظيفي الكفّ. أمّا انتفاضة 17 تشرين وما تلاها، فقد أدّت الى تراجع كبير في شعبية بعض الأحزاب التي أدارت هذا التحرّك محاولة وضع نفسها في «خانة محايدة»، رغم رفض الشعب لها باعتبارها من الطبقة السياسية الحاكمة نفسها التي يُطالب بتنحّيها عن الحكم. فهذه الأحزاب التي قامت في وقت من الأوقات، بقطع الطريق أمام الشعب لتمنعه من الوصول الى مكان عمله أو جامعته أو مدرسته، وأعادت الى ذهنه أيّام الحرب وذكّرته بالحواجز التي كانت تقطع أوصال المناطق، بهدف شلّ الحركة في البلاد، أو إرغامه على الإضراب والنزول الى التظاهرات في الشارع رُغماً عنه، هي التي سيتراجع تأييد الشعب لها في الإنتخابات النيابية المقبلة.

من هنا، علينا انتظار كلمة الفصل في صناديق الإقتراع، على ما يضيف المصدر نفسه، أكانت الإنتخابات النيابية ستكون مُبكرة أم في موعدها. فأي إنتخابات تتمّ الدعوة إليها، في أي وقت، نحن لا نخشاها، بل نحن في «التيّار» مستعدّون لها ولدينا جهوزية تامّة وثقة كبيرة بقاعدتنا الشعبية رغم كلّ الظروف والمعطيات. وأوضح بأنّ «التيّار» لم يتخلّف عن أي إنتخابات بل هو يُشارك دائماً في كلّ الإنتخابات التي تحصل معتمداً على قاعدته الشعبية في الحصول على نتائج إيجابية.

وعن سبب رفضه إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، على ما يُطالب حزبا «القوّات اللبنانية» و«الكتائب اللبنانية» اللذان يُراهنان على إنتاج أكثرية تضمّهما، فيما «التيّار» سيكون الخاسر الأكبر فيها كونه فَقَد ثقة الشعب به، نفى المصدر نفسه أن يكون «التيّار» رافضاً لإجراء الإنتخابات، وإن كان يرى استحالة حصولها في الوقت الراهن لأسباب معروفة عدّة. وأكّد بأنّه مع حصولها في أي ساعة كونه جاهزاً ومستعدّاً لها وواثقاً من قاعدته الشعبية. غير أنّه سأل «القوّات» التي تودّ إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة ظنّاً منها أنّها قادرة على زيادة شعبيتها في البيئة المسيحية على حساب «التيّار»، لماذ لم تعمد الى الإستقالة من مجلس النوّاب على غرار ما فعل نوّاب «الكتائب» وبعض المسيحيين المستقلّين؟ فلو فعلت لكانت فرضت إجراء إنتخابات نيابية في المناطق المسيحية وتبيّن لها عندها من هو الحزب الأكثر شعبية فيها.

وعن تأثير استقالة النائبين شامل روكز ونعمت افرام أولاً من «التيّار» ثم من البرلمان، وكذلك استقالة النائب ميشال معوّض من المجلس النيابي بعد انفجار 4 آب، على شعبية «التيّار» وفقدان الأصوات التي أعطيت لهؤلاء النوّاب، لفت الى أنّ كلّ حزب يتعرّض لخروج أعضاء وناشطين منه، كما الى انضمام آخرين. غير أنّ ذلك لا يؤثّر على تاريخه ونضاله وخطّه السياسي بالنسبة لقاعدته الشعبية.

وفيما يتعلّق بقانون الإنتخاب الأخير الذي جرى تفصيله على قياس الأحزاب، قال بأنّ الجميع أعطى الموافقة عليه في مجلس النوّاب، علماً بأنّه كان لـ «تكتّل لبنان القوي» بعض الملاحظات عليه جرى تأجيلها لمناقشتها لاحقاً قبل السير في الإنتخابات النيابية المقبلة. وثمّة أفرقاء آخرون يتوافقون معنا على ضرورة تعديل بعض النقاط وإضافة أخرى بهدف تحسين وتطوير العملية الإنتخابية. والجميع يعلم أنّه في الإنتخابات الماضية جرى اعتماد النظام النسبي للمرّة الأولى في تاريخ لبنان بدلاً من النظام الأكثري، الذي يُعطي الأحجام الفعلية لجميع الأحزاب ولا يُهمّش دور الأحزاب الصغيرة منها. ويُمكن الإستفادة من التجربة الأولى للتوافق على قانون معدّل يأتي بالتمثيل الفعلي في المجلس النيابي في التجربة الثانية.

وسئل عن حقيقة تمسّك «التيّار» بالمجلس النيابي الحالي كونه و«حزب الله» يُمثّلان الأكثرية فيه، وأنّهما يرفضان إجراء الإنتخابات النيابية حتى في موعدها لكي يبقى هذا المجلس الى ما بعد انتهاء عهد رئيس الجمهورية ميشال عون، لكي يكون هو من ينتخب الرئيس الجديد، يقول المصدر نفسه إنّ هذا ليس صحيحاً، والدليل أنّه مع إجراء الإنتخابات، وهو متأكّد من أنّه رغم تغيّر المزاج الشعبي، إلاّ أنّ أكثرية الناخبين في البيئة المسيحية لا تزال تُعطي أصواتها لـ «التيّار».

ويقول بعض العارفين، صحيح بأنّ المزاج الشعبي قد تغيّر عن السابق بعد كلّ الأزمات التي يتخبّط بها الشعب ولا أحد قدّم له حلولاً لها، غير أنّ محاسبة الطبقة السياسية لم تحصل يوماً في صناديق الإقتراع على مرّ العقود الماضية. فالأكثرية الرافضة للإنتخابات أو لعودة الطاقم السياسي نفسه، غالباً ما تُصبح «صامتة»، فتمتنع عن الإدلاء بصوتها، الأمر الذي يُخفّض من نسبة التصويت ولا يؤثّر على أصوات المقترعين. فيما تنقسم أصوات الناخبين على الأحزاب الموجودة، كونها تُشكّل بغالبيتها أصوات المناصرين والحلفاء.

ولهذا فلا يُمكن مع تغيّر المزاج الشعبي أن تتغيّر الأحجام في البرلمان بشكل كبير إلاّ إذا جرت الإنتخابات وفق قانون عادل غير مفصّل على القياسات، أو كان من بين المرشحين شخصيات سياسية موثوقة أمثال زياد بارود وسواه. أمّا في حال بقاء المرشّحين المستقلّين «ضعفاء» فلن يصل منهم الى البرلمان سوى عدد قليل جدّاً لن يكون قادراً على إحداث أي تغيير يُذكر. ولفتوا الى أنّ أي إنتخابات نيابية مُبكرة، أو في موعدها، لن يكون لها التأثير الكبير في تغيير النظام، ولن تجعله أي كتلة كبيرة أو صغير الحجم في المجلس النيابي قادراً على الإنتاج، لأنّ المشكلة تكمن في تغيير النظام ككلّ، وليس فقط أحجام الكتل النيابية، وهذا الأمر ترفضه أحزاب عدّة.