الحريري لبّى نداء الرئيس الفرنسي وبدأ بزيارة مصر للحصول على الدعم العربي لتسريع التشكيل

يشترط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل الحكومة، وفق الإمكان، للقيام بزيارته الثالثة الى لبنان... ورغم هذا الشرط تحدّث في كلامه الأخير في قصر الإليزيه عن نسخة جديدة من المبادرة الفرنسية أي نسخة معدّلة تتضمّن سقوفاً منخفضة أكثر. فما الذي تتضمّنه هذه الأخيرة، بحسب ما فُهم من كلام الرئيس الفرنسي، وهل تتوافق مع المطالب والشروط الداخلية، وهل تُربّح أحد الأطراف وتُخسّر الطرف الآخر؟!

تختصر أوساط ديبلوماسية مطّلعة السقوف المخفّضة بنيّة الرئيس ماكرون تسهيل تشكيل الحكومة بعد أن تعقّدت ولادتها طوال الأشهر الماضية رغم وجود المبادرة الفرنسية ووعد المسؤولين اللبنانيين بالإلتزام بها. ولعلّ أول شرط جرى التخلّي عنه هو نوعية أو طبيعة الوزراء والتسميات أي التخلّي عن حكومة الإختصاصيين الصرف، ليس بسبب عدم وجودهم، إنّما لأنّ الأحزاب السياسية لن تتنازل عن دورها في المشاركة في الحكم والسعي الى الإنقاذ. فما يهمّ الرئيس الفرنسي هو أن يتوافق المسؤولون اللبنانيون اليوم على تشكيل حكومة وفق ما يُمكنهم، لا سيما وأنّ الهدف هو أن يكون للبنان حكومة مهمّة فاعلة، يستطيع التعاطي والتعامل معها ومساعدتها دوليّاً لتنفيذ خارطة الطريق والإصلاحات المطلوبة.

وفي هذا السياق، يجد بعض المتابعين بأنّ تشكيل «حكومة تكنوقراط» ليس بالأمر السهل، على ما يعتقد البعض لأنّها تتطلّب أيضاً معطيات عدّة، وإن كان ماكرون طرح هذا الأمر بهدف تسهيل التشكيل. لهذا، فإنّ هذا الإقتراح لا بدّ وأن يترافق مع دعم خارجي له من قبل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية التي كلّفتها بأمر لبنان، فضلاً عن بعض الدول العربية لا سيما منها السعودية والإمارات وقطر، ومصر التي زارها الحريري الأربعاء لتلقّي دعمها.

وعمّا إذا كان قبول فرنسا بحكومة «تكنوسياسية» رغم إصرار الرئيس المكلّف سعد الحريري على تأليف حكومة من إختصاصيين مستقلّين وغير حزبيين، يجعل الحريري خاسراً في هذه المسألة، والفريق الرئاسي رابحاً في المقابل، أوضحت الاوساط الديبلوماسية، أنّ ماكرون لا يقف طرفاً الى جانب أي من الفريقين المتنازعين، ولا يريد بالتالي أن يخسر فريق لصالح الفريق الآخر، ولا كسر أي من الأطراف في الداخل.فما يهمّه حاليّاً هو توافق الفريقين مع الأطراف الأخرى لتسهيل ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن.

وعن القول بأنّ فرنسا تراجعت عن بعض شروطها بسبب صعوبة الوضع اللبناني من خلال موافقتها على تشكيل أي نوع من الحكومات أو «حكومة الـ كيفما كان»، أشارت الاوساط نفسها، الى أنّها في المقابل استطاعت تحقيق كسب ما لجهة نزع الولايات المتحدة الفيتو الذي كانت تفرضه، هي والسعودية، على تمثيل «حزب الله» في الحكومة، الأمر الذي خفّف بعضاً من الضغوطات على الحريري الذي كان مقيّداً بموضوع عدم تمثيل الحزب، وإلاّ فلا حكومة الى أجلٍ غير مسمّى.

ولفتت الاوساط، الى أنّ فرنسا سعت الى حصولها على هذا الأمر سيما وأنّها لم تقطع علاقتها مع «حزب الله» يوماً، وهي تعتبر أنّه يُمثّل شريحة من الشعب اللبناني لهذا لا يُمكن فرض «الفيتو» عليه لإبعاده عن الحكومة، أو عن الحياة السياسية بشكل عام. أمّا في حال قرّر الشعب تغيير ممثّليه الفعليين فعليه فعل ذلك في صناديق الإقتراع كونه لم يتمكّن من إحداث أي تغيير في حراكه الأخير أي انتفاضة 17 تشرين. الأمر الذي خيّب أمل ماكرون الذي اعتبر أنّ المجتمع المدني والجمعيات الأهلية فشلت في تحقيق التغيير المنشود.وشدّدت على أنّ «حزب الله» يُحاول اليوم المساعدة في حلحلة الجمود الحكومي من خلال اقتراح إعطاء رئيس الجمهورية ميشال عون وزيراً شيعياً على أن يكون الوزير الملك مناصفة بينه و«حركة أمل» وبين عون.

وكلّ هذا يعني بأنّ المبادرة الفرنسية لم تحتضر، على ما أكّدت الأوساط نفسها، بل لا تزال قائمة - وإن معدّلة أي مع تغيير بعض المعايير التي جرى الإتفاق عليها في قصر الصنوبر- وعلى ثلاث نقاط أساسية هي: تشكيل الحكومة أولاً، وتحقيق الإصلاحات الموعودة ثانياً، ومن ضمنها التدقيق المالي الجنائي، وهيكلة النظام المصرفي والتلزيمات وقطاع الكهرباء وسواها، وثالثاً النظام أو العقد الجديد الذي يعمل عليه الفرنسيون حاليّاً ويتضمّن مبدا المثالثة والمداورة في الوزارات السيادية، وصولاً الى المداورة في الرئاسات الثلاث لاحقاً.

وبرأي الاوساط، أنّ كلام ماكرون الأخير كان له صدى إيجابي في الداخل اللبناني، وقد ظهر ذلك من خلال زيارة الرئيس الحريري الى مصر للحصول على المزيد من الدعم العربي لتشكيل الحكومة. وهذا ما يريده الرئيس الفرنسي الذي بدّل موقفه أيضاً من مسألة تحييد لبنان عن محيطه، إذ رأى بأنّه لا يُمكن فصله عن الدول العربية. ولهذا يُطالب اليوم بتكثيف الجهود الخارجية، ولا سيما منها العربية لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن لكي تبدأ بالإصلاحات وتتمكّن بالتالي الحصول على المساعدات الدولية، وتعليق العقوبات الأوروبية التي كادت ستأتي الى لبنان إذا ما بقيت الأمور معلّقة وسائرة نحو الإنهيار الكامل... فضلاً عن المضي لاحقاً الى العقد الجديد عن طريق عقد مؤتمر تأسيسي برعاية إقليمية ودولية لوضع شكل جديد للنظام اللبناني الحالي.