«بورصة» أسعار الإستهلاك تستمر صعوداً والتضخم يشتدّ سوءاً! إذ أشارت دراسة أجرتها إدارة الإحصاء المركزي إلى مختلف أسعار الإستهلاك التي إرتفعت معدلاتها لعام 2020 خصوصاً المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية (254.3%)، الألبسة والأحذية (289.8%)، النقل (83.7%)، المطاعم والفنادق (386.7 %)، السلع والخدمات المتفرقة (162.1%). كما قدّرت الدراسة معدل التضخم السنوي لعام 2020 بـ84.9% فيما كان هذا المعدل 2.9% عام 2019. فكيف ينعكس هذا الإرتفاع على المواطن؟ ما هي الأسباب التي جعلت من التضخم واقعاً ملموساً؟ هل من دراسات متناقضة؟ وهل دخل لبنان مرحلة التضخم المُفرط؟

يشير الأستاذ المحاضر والباحث في الشؤون الماليَّة والإقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر لـ«الديار» إلى أن «الزيادة الحادة في معدل التضخم خلال العام 2020 تعكس إرتفاعاً مستمراً في متوسط أسعار السلع والخدمات. إذ أنها تؤدي هذه الزيادة إلى تدهور القدرة الشرائيَّة لدى أصحاب الدخل المحدود مما قد يهدد أمنهم الإجتماعي والغذائي. كما أن إنعكاسات التضخم تُصبح أخطر في ظل غياب الخطط الإقتصاديَّة والإصلاحيَّة».

أسباب التضخم...ليست وليدة اليوم؟

يوضح البروفسور خاطر أنه «قد يبدو أن التضخم في لبنان هو نتيجة للأزمة الحاليَّة التي تمر بها البلاد في حين أن هذه الأزمة ليست إلا نتيجة تراكمية لعقود من الأزمات. يشكل عدم الإستقرار السياسي أحد الأسباب الرئيسية للتضخم. ولكن أدَّت النزاعات السياسية والطائفية المتكررة والمزمنة إلى غياب الرؤية الإقتصادية، فازداد الدين العام وسط عدم إمكانية التحكم بمكونات الإنفاق وغياب الإصلاح. من العوامل التي ساهمت في صنع تاريخ الأزمات وفي التحضير للتضخم الذي نعيشه اليوم هي: «دولرة» الإقتصاد وتثبيت سعر الصرف، إستمرار العجز التاريخي في الميزان التجاري، الإستهلاك المفرط، وغياب الإستثمار العام المحفِّز للإنتاج. من ناحية أخرى، أدَّى جشع المصارف إلى تورطها في تمويل الدولة فبات القطاع المصرفي يعيش إنهياراً مؤجلاً. عاملٌ آخر هو تباطؤ التدفقات الخارجية منذ العام 2012 والبدء باستنزاف احتياطي المصرف المركزي لسد عجز ميزان المدفوعات. أمّا الذي «زاد الطين بلّة» فكان الإقرار العبثي لسلسلة الرتب والرواتب بخلفياته الإنتخابية «الشعبوية» الذي جعل من التضخم واقعاً ملموساً».

ويتابع البروفسور خاطر مشيراً إلى أن هذه المعطيات تُبيِّن الأسباب الحقيقية للتضخم الذي باتت معالمه أكثر وضوحاً منذ انطلاق ثورة 17 تشرين وغياب القروض الدولية لأسباب ائتمانية وسياسية واكتمال مشهد الإنهيار: «سقطت الليرة في فخ الإستقرار، تعددت أسعار الصرف، طبَّقت المصارف قيوداً عرفيةً على أصحاب الأموال، شحَّ الدولار، توقفت التدفقات، تهاوى النمو وتراجعت الإيرادات».

حلول بسيطة...شبه مستحيلة؟

بعد تخبط الوضع السياسي والذي لم يفض إلى أي حلول، بات تشكيل الحكومة شبه مستحيل. إذ يؤكد البروفسور خاطر أن «أي تأخير في تشكيل الحكومة سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتفلتها مما قد يدفع بسعر الصرف إلى الجنون وبالتضخم إلى «الجنون الأعظم». فتشكيل حكومة قادرة على إقرار إصلاحات حقيقية هو الممر الوحيد إلى التمويل الخارجي الذي يشكل بدوره الخطوة الأولى الأساسية للنهوض. تُشكِّل بنود المبادرة الفرنسية حلاً متكاملاً يساعد على استعادة الثقة الدولية بلبنان وعلى إيجاد الحلول لمجمل المشاكل».

دراسة متناقضة...والسبب؟

أظهرت دراسة لستيف هانكي وهو خبير مالي مختص في الإقتصاد التطبيقي في جامعة «جون هوبكنز» أن نسبة التضخم في لبنان لعام 2020 هي حوالي 319%. وفي السياق، يقول البروفسور خاطر أن إحتساب التضخم على سعر صرف السوق ومن دون الدعم يفضي إلى أرقام متقاربة مع تلك التي نشرها هانكي. قد يكون التضخم في لبنان أكثر من 89.4% إلا أنه من المؤكد ليس 319% كما ورد في الدراسة.

إلى التضخم المُفرط دُرّ؟

يعرّف البروفسور خاطر «التضخم المفرط» عندما تزداد الأسعار بوتيرةٍ متسارعة تفوق الـ50% شهرياً ولا يمكن السيطرة عليها. إذ يشير إلى أنها تشكل التوقعات السلبية وإزدياد العجز وإنهيار العملة والفساد المالي والإداري وطبع العملة مؤشرات حقيقية تنذر بإقتراب تطبيق مفهوم هذا التضخم. أما في لبنان، وإن كانت الشروط مستوفاة، فلا يمكن الجزم إن كان التضخم مفرطاً. يعود ذلك إلى تفاوت أسعار الصرف وغياب الإحصاءت بالإضافة إلى إستمرار الدعم على الكثير من السلع. ويختم البروفسور خاطر قائلاً «نأمل أن يكون التضخم الذي وصلنا إليه هو التضخم المفرط فلا يكون هناك من شيء أسوأ».

تعددت الأرقام ولكن المصيبة واحدة؛ الأسعار ترتفع من دون أي تردد والتضخم يتفاقم. تتدهور القدرة الشرائيَّة لدى المواطن ويتهدد أمنه الإجتماعي والغذائي. كثُرت الأسباب «المتراكمة» ولكن الحلّ واضح اليوم وينقصه ربما قرار وإرادة حقيقية بإنقاذ البلد. التضخم بات واقعاً ملموساً، فإذا بقي الوضع يشتد سوءاً هل ستمتلئ الشوارع مجدداً ولكن تحت راية «ثورة الجياع»؟