غياب الحلول السياسية يُنذرّ بانفجار حقيقي ودور الجيش محوري في الحل

المواطن اللبناني على خُطى «جهنّم» وحكومة تصريف الأعمال غائبة أم مشاركة؟


شكّل ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء فوق عتبة العشرة آلاف ليرة لبنانية شرارة إشتعال الضمير اللبناني ببيته وشارعه الذي ومنذ أكثر من يومين يقطع الطرقات في كل المناطق إحتجاجا على ارتفاع أسعار السلع والبضائع، ولكن أيضا على النقص الحاصل في السوبرماركات فضلا عن اشتعال الأسعار التي باتت تحرق الجيوب الفارغة. فمشهد الشجار على الحليب المدعوم في إحدى السوبرماركات شكّل صدّمة كبيرة لدى الرأي العام المحلّي والعالمي، حيث ان سويسرا الشرق التي كانت موصوفة بمستواها الإجتماعي، أصبحت تقترب أكثر فأكثر من فنزويلا الشرق الأوسط كما وصفها تقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في تشرين الثاني من العام 2019.

الرقابة على اللعبة الإقتصادية هي في صلب العمل السليم للماكينة الإقتصادية، وهذه الرقابة ما زالت غائبة إلى اليوم لأسباب عديدة منها التقصير والآخر سياسي، والفاقع منها التواطؤ الخفي! نعم، إذ كيف يُعقل أن المضاربين والمهرّبين والمحتكرين والمتواطئين معرفون بالأسماء ولا يتمّ توقيفهم عملا بالقوانين اللبنانية وسوقهم أمام القضاء اللبناني؟ السوبرماركات تحتكر في مخازنها المواد المدعومة في حين أن صالات العرض فارغة! وتجار الأدوية يُهرّبون الأدوية في وقت لم يعد يوجد في الأسواق اللبنانية أبسط الأدوية التي يحتاج إليها اللبناني! وماذا نقول عن المحروقات التي يتمّ تهريبها على مرأى من أعين الأجهزة الأمنية والرقابية؟

لنبدأ من الإستيراد الذي تُثبت أرقامه في الجمارك أنه إنخفض أكثر من ستين بالمائة عمّا كان عليه في العام 2019، مما لا يُبرّر زيادة الطلب على الدولار الأميركي. وبالتالي فإن وصوله إلى حدود الـ 11 ألف ليرة لبنانية في تعاملات السوق السوداء بحسب التطبيقات الموجودة على أجهزة الخليوي، إرتفع بشكل لا يُبرّره أي منطق إقتصادي. بل أن مرده الحقيقي يكمن في ثلاثة عوامل: تصفية حسابات سياسية من بوابة الدولار الأميركي، وتهريب مُكثّف للسلع والبضائع إلى الخارج، ومُضاربة شرسة من قبل بعض المافيات المعروفة في الأسواق.

وإذا نظرنا الى الضغط الأميركي والمُتمثّل بالتشدّد على الإعتمادات المفتوحة من قبل التجار لدى المصارف الأجنبية، فهو يعكس حقيقة الإعتقاد الأميركي بأن هناك عمليات تهريب تحصل في وقت كان البلد مُقفلاً بشكل شبه كامل، إن من خلال المشاهد الموثقة بالصور، أو من خلال الأرقام التي لم تشهد أي انخفاض بل على العكس زادت ارتفاعاً. وبالتالي، وفي ظل تطورّ الأوضاع السياسية الحالية، سيزداد هذا الضغط مع الوقت ليُنذر بتزايد أزمة الدولار في السوق.

والمشهد المُلفت في كل ما حصل من قطع للطرقات وإحتجاجات، أنها بدأت تطال مناطق جديدة. هذا الأمر، وبغض النظر عن التفسيرات والأبعاد السياسية، يُنذر بمدى خطورة الفوضى في حال زادت الأمور سوءًا وبالتالي، هُناك إلزامية التدخل من قبل الحكومة لقمع المُضاربين والمُهرّبين

الذين يعبثون بأمن المُواطن المعيشي والذي هو عنصر من عناصر الأمن القومي! إلا أن حكومة تصريف الأعمال والتي من المفروض أن تسهر على تصريف أعمال الناس، غائبة عن السمع ومتقاعسة عن أداء أبسط واجباتها الوظيفية والوطنية خصوصًا من ناحية فرض هيبة الدوّلة لا سيما ضرب المنصات الإلكترونية المتواجدة في الخارج!

فكيف يُعقل أن تطبيقات على أجهزة خليوية تتحكّم بمصير شعب والحكومة لا تُحرّك ساكنًا؟ أليست هذه أولوية للأمن القومي اللبناني؟ يقولون إن هناك معوقات تقنية نظرًا إلى أن الناس تستخدم تقنية الـ «Virtual Private Network» لتخطّي الموانع التي تفرضها وزارة الاتصالات وهذا صحيح لو كان متعثراً مجال الحلول الدسبلوماسية؛ فلماذا مثلا لا تطلب الحكومة اللبنانية مُساعدة خارجية لوقف هذه التطبيقات؟ هل تتخيّلون أن يتمّ إنشاء منصّات إلكترونية مُضاربة لسعر صرف الدولار الأميركي مُقابل اليورو في الولايات المُتحدة الأميركية؟ ماذا ستكون ردّة فعل السلطات الأميركية؟ ألا يعلم القيّمون على الحكومة أن هذا الأمر خطير جدًا؟

لذا، وفي ظل غياب الرقابة الحكومية، أخذ التُجّار بالمُتاجرة بمصير الناس عبر إحتكار السلع المدعومة وذلك بهدف تهريبها أو الإبقاء عليها والإنتظار حتى يرتفع سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء بهدف بيعها على سعر السوق، إلا أن مع هذا الجنون في سعر الصرف المتفلت والطمع اللامتناهي لأهل النهم والجشع، فلا مفر من أن تنقطع مستقبلاً أهم السلع لحين إستقرار الأوضاع، وهذا الأمر يُلوح بقوة وينذر بالأسوأ فالأسوأ.

الوضع الاقتصادي مأساوي إلى أقصى وأقسى الحدود... فنظرة مقتطفة إلى ما يجري نرى ما يلي:

أولاً، التُجار الكبار يتحمّلون مسؤولية أساسية في ارتفاع الأسعار، لكن أيضا التجار الصغار أصبحوا يسيرون على خطى التجار الكبار عبر تطبيق مبدأ الـ «replacement cost» والذي يُخالف المرسوم الإشتراعي 73\83 والذي ينصّ على منع التجار من ربح ما يفوق الـ 100 بالمئة من كلفة السلعة، ولكن من يسهر على تطبيق الدستور والقوانين؟

ثانياً، تُجّار المحروقات بدورهم لا يتوارون عن تهديد الناس وأخذهم رهينة الوضع القائم وهم مُشاركون بدرجة محورية في عمليات تهريب المحروقات. لماذا لا يواكب الأمن العام كما فعل سابقًا شاحنات النقل لمعرفة وجهتها؟ هل تعلم الحكومة أن الكلفة الأكبر هي لإستيراد المحروقات؟ يُريدون وقف دعم الطحين في حين أن كلفة الطحين لا تتعدّى بضعة عشرات من ملايين الدولارات في حين أن إستيراد المحروقات هو بمليارات الدولارات!

ثالثا، تُجّار الخبز من جهتهم يُريدون حصّتهم مما تبقى لدى المواطن من مُدّخرات! فهم يُهدّدون برفع سعر ربط الخبر إلى 5000 ليرة لبنانية مع تخفيض وزنها 50 غرامًا. والأصعب في الأمر أن شخصاً واحداً بات يُقرّر مصير شعب على شاشات التلفزة من غير رقيب ولا حسيب، وطبعاً الحكومة غائبة مغيبة ومتواطئة في ذهن كثير من الشعب!

أمام هذا المشهد الفوضوي السوداوي، باتت حالة الطوارئ ضرورة ليضع الجيش يده على كل السلع والخدمات التي تُعتبر أساسية للمواطن من تجارة المحروقات والخبز والطحين والأدوية. هذا الأمر لا يعني مُصادرة ملكية هؤلاء بل إدارة هذه الخدمات والتي بحسب القانون هي من صلاحيات السلطة في حال الطوارئ.

التهافت على السلع المدعومة في السوبرماركات يضع السلطة والحكومة مجتمعتين أمام مسؤوليات تاريخية:

أولا ـ ضرورة تأمين المواد الغذائية والأولية للمواطنين لفترة لا تقلّ عن ستة أشهر وذلك من خلال عقود آجلة (Forward) والتي تُستخدم بشكل يومي في المصارف.

ثانيا ـ وضع يدها على التجارة في لبنان من خلال الجيش اللبناني ومُحاسبة كل من إرتكب مُخالفات بحق القانون.

ثالثا ـ وقف عمليات التهريب إلى الخارج (غانا، كنشاسا، الكويت، سوريا، تركيا...) والتي تستهلك دولارات المركزي وبالتالي تجعل سعر صرف الدولار يصل إلى مستويات كارثية.

رابعا ـ مُلاحقة القيمين على المنصات الإلكترونية التي تبث أسعار الدولار على أجهزة الهاتف الخليوي ووقف هذه المنصات بأي ثمن كان.

خامسا ـ الإيعاز للبلديات بوضع أراضٍ تحت تصرّف مُستثمرين لزراعتها أو لإنشاء مصانع للصناعات الغذائية. على هذا الصعيد، يجدر الذكر أن هناك 25 مليون متر مربّع من الأملاك النهرية التابعة للدولة والمُصادرة من قبل أصحاب النفوذ والسلطة.

هذه النقاط أساسية لتفادي الأسوأ في المرحلة لا بل المراحل المُقبلة، لكنها ليست الحلّ الأمثل للمُشكلة الاقتصادية والمالية والنقدية القائمة. فتشكيل حكومة قادرة على إعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي، أصبحت ضرورة كيانية وسيادية!

قرار القاضي غسان عويدات، ولو أتى مُتأخرًا، هو في الإتجاه الصحيح. وقد كنّا أول من طالب في تشرين الثاني 2019 بملاحقة المضاربين ووقف التطبيقات على الأجهزة الخليوية. وبالتالي كان من المفروض منذ بدء الأزمة قطع الطريق على المضاربين. الجدير ذكره أن التوقعات أن يعمد المضاربون إلى رفع سعر صرف الدولار بوتيرة 1000 ليرة لبنانية أسبوعيا خاصة إذا أحسوا أن الدولة ستبقى غائبة عن مهامها.

على الصعيد المصرفي، أداء المصارف أصبح مُخزياً خصوصا أنها لم تُصرّح حتى اليوم عن مصير ودائع المودعين وتاريخ إعادة الأموال إلى أصحابها. وإذا كانت لجنة الرقابة على المصارف قد قصّرت بمهامها خصوصا من ناحية مراقبة إستثمارات المصارف، إلا أنها اليوم أمام إمتحان كبير وهو إعادة هيكلة المصارف بطريقة سليمة تُعيد الثقة.

مع مرور الوقت، أصبح الخروج من الأزمة يتطلّب وقتًا أطول من السابق قد يمتدّ إلى أكثر من 10 سنوات. وهذا الأمر هو نتاج المماطلة في تشكيل الحكومة والخسائر التي تتراكم مع الوقت والتي أصبح من الصعوبة بمكان، إذا لم نقل مستحيلاً، تغطيتها من دون مساعدة خارجية.

فكفى اللبنانيين مكابرة واستعلاء، كفاهم...