لم يحصل لبنان بعد على أي رسالة من الولايات المتحدة الأميركية بخصوص إستئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية، والتي ينتظرها لا سيما مع بدء عهد جديد فيها مع الرئيس جو بايدن وإدارته الجديدة. فقد جرى تعليق هذه المفاوضات التي استمرّت بين 14 تشرين الأول و11 تشرين الثاني الماضيين بعد خمس جولات عُقدت في منطقة الناقورة في مقرّ قوّات «اليونيفيل» برعاية واستضافة الأمم المتحدة وبوساطة أميركية، دون أن تُعلن الأسباب الفعلية. أمّا أسباب تعليقها، فكان عدم تمكّن العدو الإسرائيلي من الإستيلاء على جزء من حقوق لبنان، وتشريع هذا السلب، على ما كان يُمنّي النفس بمساعدة حليفته الولايات المتحدة عن طريق وسيطها الأميركي السفير جون ديروشر. هذا الوسيط الذي لم يُعرف حتى الآن ما اذا كانت إدارة بايدن ستستبدله بآخر أم ستُبقيه في مهمّته هذه.

من جهة ثانية، لم تستكمل شركة «توتال» الفرنسية (المشغّلة لكونسورتيوم الشركات المكوّن من «توتال» و»إيني» الإيطالية، و»نوفاتيك» الروسية) بعد نشاطها البترولي في لبنان وتبدأ بعمليات التنقيب عن النفط والغاز في البلوك 9، على ما كان يُفترض، في كانون الأول من العام الماضي (2020)،على ما تقول أوساط ديبلوماسية عليمة، رغم أنّ المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي، لا علاقة لها بإعاقة بدء عملها... غير أنّ الضغوطات الدولية السياسية التي تُمارس عليها، هي التي أدّت الى تعليق عملها، رغم الحديث عن أسباب تقنيّة وعن ظروف وباء «كورونا» المتفشّي في أنحاء العالم. فهل هذا يعني أنّ لبنان فوّت عليه مسألة الإستفادة ماديّاً من قطاع النفط هذا، لحلّ جزء من أزماته المتراكمة، ولا سيما الأزمة الإقتصادية والنقدية التي يُعاني منها، وذلك بفعل تأخير وتأجيل عمليات التنقيب واستخراج النفط والغاز حتى العام المقبل؟ وكيف على لبنان أن يتصرّف في الوقت الذي يستكمل فيه العدو الإسرائيلي، بحسب المعلومات المؤكّدة، عمليات التنقيب في المنطقة المتنازع عليها مع لبنان في المنطقة البحرية الجنوبية، سيما أنّ في ذلك خطورة كبيرة بأن يعمل على سحب كلّ كميّات الغاز والنفط الموجودة؟ علماً بأنّ إجمالي حجم الإحتياطات البحرية اللبنانية من النفط يُقدّر بـ 865 مليون برميل، ومن الغاز بـ 96 تريليون قدم مكعب.

تجد الأوساط أنّ ما أكّده «تحالف الشركات» الدولية في بداية العام الحالي عن نيّته مواصلة نشاطه البترولي في لبنان تحت قيادة المشغّل (أي «توتال»)، سيما أنّه بفعل تطبيق القانون 2020/160 المعدّل والمعني بتعليق المهل، قد جرى تمديد فترة الإستكشاف الأولى في كلّ من البلوكين 4 و9 في المياه البحرية اللبنانية الى 13 آب من العام 2022 لأسباب تقنية وما الى ذلك، ليس حجّة مقنعة عن حسن نياته. فما هو واضح أنّ «تحالف الشركات» يربط بين عمليات التنقيب بمسألة النزاع على ترسيم الحدود، سيما أنّ البلوك 4 يقع وسط المنطقة الإقتصادية الخالصة ولا حدود جنوبية أو غربية أو شمالية له. قد بدأت سفينة الحفر «تونغستون إيكسبلورير» عمليات الحفر فيه في 25 شباط من العام 2020، وذكرت يومذاك أنّها ستحفر أول بئر إستكشافية على عمق 1500 متر عن سطح البحر، علماً بأنّ الحفر يهدف الى استكشاف مكامن تقع على عمق يتخطّى الـ 2500 متر تحت قعر البحر. لكن ما حصل أنّها أنهت العمل بعد شهرين، مشيرة الى أنّ النتيجة أتت سلبية، ومعوّلة على إمكان أن تجد نتائج إيجابية في نقاط أخرى لاحقاً. غير أنّ الحقيقة التي لن تُعلنها هي أنّ عمليات الحفر في البئر لم تصل الى العمق المطلوب، علماً بأنّه يبلغ 4200 متر.

من هنا، شدّدت الاوساط على أنّ وقف شركة «توتال» لعملها يعود لاعتبارات سياسية، لأنّه لو استجابت للمقتضيات التقنية والحقوق الإقتصادية فقط لاستمرّت في عمليات التنقيب، ووصلت الى البئر التي تكشفه الصور الجويّة المتوافق عليها. ولكنها لم تحفر الى المستوى الذي كان يُطلب منها أن تحفر إليه، وقد خضعت بالتأكيد لضغوط أجنبية (و»إسرائيلية» ضمناً) واعتبارات سياسية جعلتها توقف التنقيب في البلوك 4. علماً بأنّها ملتزمة البلوك 9 أيضاً وبإمكانها اليوم بدء عمليات التنقيب فيه، رغم التأخير الذي حصل حتى الآن. فلو كانت فعلاً لا تزال مهتمّة بالإستمرار في عملها في لبنان، تستطيع أن تخرج من المنطقة المتنازع عليها نحو كيلومتر واحد، وهي تعلم ذلك، من دون أن يعترض عملها أي أحد. فيما التأخير الحاصل والذي تعزوه لأسباب تقنية، ولأنّ إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي قد ألحق أضراراً جسيمة في القاعدة اللوجستية المخصّصة لتنفيذ الأنشطة البترولية في المياه البحرية اللبنانية وسواها، على ما أعلنت، فليس سوى حجج لا تقدّمها شركات تنوي الإستثمار والربح.

ورأت الأوساط نفسها أنّ تمديد المهل لا يخدم لبنان، إذ لا شيء يمنع ائتلاف الشركات، وقبل تاريخ آب من العام 2022، من أن يطلب تمديداً جديداً لعملية استكشاف النفط والغاز الى العام 2023، على سبيل المثال، بسبب الحسابات السياسية التي لا علاقة لها بموضوع الإستثمار. فهذا الأمر يخدم العدو الإسرائيلي الذي يستمرّ في عمليات التنقيب رغم كلّ الظروف، ورغم تعليق المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية مع لبنان. فقد اعتمد البلوك 72، وهو بصدد تلزيمه رغم أنّه يدخل بكامله، ولا يُلامس فقط، في المنطقة المتنازع عليها.

ويقول الخبراء انه إذ سبق وأن أكّد لبنان الرسمي مراراً أنّه لن يسمح بالتعدّي على مياهه الإقليمية المعترف بها دولياً لا سيما في المنطقة الإقتصادية الخالصة في جنوبه حيث بلوكات النفط والغاز وخصوصاً البلوك 9 والمنطقة المتنازع عليها حاليّاً والتي تبلغ مساحتها 2290 كلم 2، فالمطلوب من الدولة اللبنانية اليوم القيام، وإن في ظلّ حكومة تصريف الأعمال أو وقف مفاوضات الترسيم، بأمرين ملحّين:

- الأول :أن تقوم الدولة اللبنانية بتعديل المرسوم 6433/ 211 المتعلّق بإحداثيات الحدود البحرية وإرساله الى الأمم المتحدة، على وجه السرعة. فالمادة الثالثة منه تُعطيها الحقّ بتعديله عندما تطرأ معطيات جديدة. واليوم يملك المفاوِض اللبناني هذه المعطيات، لهذا على الدولة اللبنانية أن تعمل وفقاً لهذه المعطيات، وتُعدّل المرسوم من دون أي تأجيل.

- الأمر الثاني :هو مطالبة شركة «توتال» تنفيذ موجبات العقد الموقّع بينها وبين الحكومة اللبنانية في العام 2018 في ما يتعلّق بالتنقيب عن النفط والغاز في البلوكين 4 و9 من قبل «الكونسورتيوم» الدولي. وأن تُمارس الجهات المعنية بالتالي الضغط على «توتال» لاستكمال عملية التنقيب، ووقف الذرائع والحجج المتعلّقة بتمديد المهل، أو بضرورة الحاجة الى المزيد من عمليات البحث قبل الإستكشاف، وذلك تحت طائلة الإنذار بفسخ العقد معها كونها لم تلتزم بموجباته. علماً أنّه بإمكان لبنان أن يجد شركات دولية بديلة عنها مهتمّة بالإستثمار في ثروته النفطية، وهي كثيرة.

وختمت الأوساط نفسها: أمّا إذا كان لبنان سيُماطل أكثر، وسينتظر التحالف الدولي الذي ينتظر بدوره مسألة الإنتهاء من ترسيم الحدود البحرية الجنوبية وعملية فصل النزاع، فيُخشى عليه من أن يُفوّت آخر فرصة متاحة، وهي ثروته النفطية التي يُمكن أن تنتشله من حفرة الإنهيار التي وقع فيها على مختلف الصعد؟!