يعتبر «عيد الام» احتفالا حديثا ظهر في مطلع القرن العشرين، برغبة من المفكرين الغربيين والأوروبيين لتحفيز الابناء على تكريم امهاتهم وتوثيق رابطة الأم بأبنائها والتذكير بأهمية دور الام في المجتمع وتأثيرها الكبير في تربية أولادها، بعد أن وجدوا الأبناء في مجتمعاتهم يهملون أمهاتهم ولا يؤدون الرعاية الكاملة لهن.

كان أول احتفال بعيد الأم عام 1908، عندما أقامت الناشطة الأميركية أنا جارفيس ذكرى لوالدتها في أميركا. وبعد ذلك بدأت بحملة لجعل عيد الأم معترف به في الولايات المتحدة، تلبية لرغبة أمها بأن تكرّم الامهات حول العالم وحققت فكرتها نجاحا باهرا عام 1914، لتتسع رقعة المحتفلين بهذا اليوم حول العالم.

ويختلف تاريخ عيد الأم من دولة لأخرى، حيث يحتفل به في العالم العربي اليوم الأول من فصل الربيع أي في 21 آذار أما في النرويج فيحتفل به في2شباط؛ وفي الأرجنتين فهو يوم 3 تشرين الأول، وفي جنوب أفريقيا يحتفل به يوم 1 أياروفي الولايات المتحدة يصادف الاحتفال في الأحد الثاني من شهر أيارمن كل عام، أما إندونيسيا فيحتفلون به في يوم 22 كانون الاول.

وفي هذا التقليد يقوم كل فرد بتقديم هدية لأمه او جدته، حيث تتعدد الأفكار وتتنوع، كل حسب ميزانيته.إلا أنّ لعيد الام في لبنان هذا العام طعم آخر، تملأه الغصّة والحزن والشعور بالعجز والعوز. فمن جّهة لا تزال أمهات شهداء إنفجار مرفأ بيروت ينتظرن العدالة لأرواح أولادهن ودماءهم التي فتكت نتيجة إهمال المسؤولين وفسادهم وتقاعسهم عن القيام بواجبهم، ومن جهة أخرى حرمت الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها لبنان منذ العام 2019 الأبناء من تحضير تكريم يليق بأمهاتم وبتضحياتهن في سبيل تربيتهم ورعايتهم.

إذ أن موجة الغلاء الجديدة بسبب ارتفاع سعر الصرف وانخفاض قيمة العملة الوطنية في الوقت الذي بقيت فيه الرواتب والأجور على حالها، حرمت العديد من عيد باية حال عدت يا عيد بما مضى ام لامر فيه تجديد الأسر من تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية، فكيف بهم يشترون هدية لأمهاتهم في الوقت الذي يحاولون فيه توفير «الليرة» للصمود حتى آخر الشهر؟

يكفي أن نجول على بعض المحلات التجارية لنشهد على الارتفاع الجنوني لاسعار السلع، فباقة الزهور (12 حبّة) تجاوزت الـ 216 ألف ليرة حيث وصل سعر الوردة الواحدة الى 18 ألف ليرة، (بعد ان كان سعر باقة الورود لا يتخطى الـ40 ألف ليرة!)، وإذا أردنا إضافة بالون معايدة على باقة الورد فسعره يبدأ من 60 ألف ليرة،أمّا قالب الحلوى لـ15 شخصا فتخطى سعره الـ100 ألف ليرة، وزجاجتي عصير 24 ألف ليرة (فسعر الزجاجة الواحدة أصبح 12 ألف ليرة بعد أن كان 2500 ليرة!)، وإذا أردنا أن نهدي أمهاتنا ملابس أو حذاء فسعر هذه الاخيرة تخطى الـ 150 الف ليرة للقطعة الواحدة! وبمعادلة حسابية بسيطة يصبح مجموع كلفة إحتفال بسيط بعيد الأم 550 ألف ليرة فيما الحد الادنى للأجور 675 الف ليرة!

وصلنا إلى زمن أصبح الاحتفال بعيد الام أو أي مناسبة أخرى (حيث يصادف عيد الشعانين والفصح في الاسابيع التي تلي عيد الأم) همّ وحمل، لا بل يعتبر الاحتفال وسط هذه الأوضاع المعيشية المزرية من الكماليات، وأصبحنا في كل مناسبة أو جمعة عائلية نقول «حرام نحطّ مصاري على هيك شي في عالم عم بتموت من الجوع!»، نعم بدّلت هذه الازمة الكثير من عادات وتقاليد اللبنانيين وغيّرت أسلوب حياتهم، فبعد أن كانت مناسباتنا تملأها سفر الطعام والهدايا والزينة، أصبحت فارغة باهتة، يكفيها أنّ أهلها بخير وبصحة جيدة في زمن يحسد فيه المرء على صحته لا على أسلوب حياته، بعد ان سلبونا حياتنا وأفراحنا ومنعونا من الفرح!