باريس لم تستسلم وتتحرّك من جديد… فهل توسّع رقعة اتصالاتها ؟

نيسان شهر الحسم… والا الابواب ستكون مُشرّعة للفوضى الشاملة

منذ انفجار ٤ آب لم يلتقط لبنان اللحظة المناسبة في ضوء زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للملمة تداعيات هذا الزلزال الذي زاد وسرّع وتيرة الانهيار الاقتصادي والمالي، ولم يبادر الى تاليف الحكومة الجديدة مستعينا بمبادرة باريس والتعاطف الدولي.

يومها اعتقد الكثيرون ان الحريري بعد تكليفه سيشكل الحكومة في غضون اسابيع قليلة لا تتجاوز الشهر، للانصراف فورا الى اقرار الاصلاحات المطلوبة من اجل الحصول على المساعدات الدولية الموعودة لوقف الانهيار واعادة بناء وتفعيل الدولة والقطاعات الحيوية واصلاح القطاع المصرفي.

وفي ذلك الحين، قيل ان العراقيل خارجية وان الادارة الاميركية وحلفائها في المنطقة يضغطون للمجيء بحكومة مطواعة تحت عنوان الاختصاص لاحداث خرق جدي في موازين القوى السياسية في البلاد مستثمرين انتفاضة ١٧ تشرين وما احدثه انفجار آب من نتائج وتداعيات، وهذا صحيح، لكن سرعان ما تبددت رهانات ادارة الرئيس الاميركي السابق ترامب على احداث مثل هذا التغيير رغم استخدامه وسائل ضغط متعددة على حزب الله وحلفائه.

وتبين ان الاستثمار على ما جرى ليس لفرض امر واقع انقلابي جديد في لبنان، لا بل ان المحاولات والتدخلات الاميركية في حينه ساهمت في ارباك المبادرة الفرنسية واعاقة اندفاعتها، وبالتالي، اثرت ايضا على مسار تشكيل الحكومة وبددت مناخات التفاؤل بتسريع تأليفها.

وسرعان ما ادركت الادارة الاميركية السابقة انها لا تملك الاوراق الكافية لاحداث الانقلاب التي تريده في لبنان، فانكفأت نسبيا خصوصا في ظل انهماك ترامب بالاستحقاق الانتخابي. وعلى ضوء ذلك حصلت موجة جديدة من التفاؤل بتأليف الحكومة، باعتبار ان واشنطن لم تعد تستطيع اشهار سيف التشدد بحجة محاربة حزب الله كما فعلت في البداية، وركزت على حكومة الاختصاص والاصلاحات كما كان يفعل الرئيس الفرنسي.

وتراءى للكثيرين ان اللحظة متاحة لاستيلاد الحكومة، لكن سرعان ما تبين مرة اخرى ان مثل هذه التوقعات في غير محلها، وان العوامل والخلافات الداخلية طغت اكثر وصارت تشكل النسبة الاساسية من اسباب فشل تأليف الحكومة.

ومنذ ذلك الوقت، اي منذ ما يزيد على الثلاثة اشهر، تتخبط عملية التأليف على وقع السجالات النارية والخلافات بين الرئيسين عون والحريري حول التشكيلة والحقائب والاسماء. ويترقب اللبنانيون كل اسبوع النشرة الحكومية على وقع المبادرات المختلفة التي لعب ويلعب الرئيس بري دورا اساسيا فيها الى جانب دعم حزب الله وتعاون جنبلاط، عدا عن التحرك الذي قامت به بكركي.

ومنذ اسبوع تسود اجواء تفاؤلية نسبيا بامكانية تجاوز العقبات وحل العقد التي تواجه تأليف الحكومة، خصوصا في ضوء المعلومات الاخيرة حول موافقة عون والحريري ضمنيا عل صيغة الـ٢٤ وزيرا التي تساعد اكثر من صيغة الـ ١٨ على تسوية الخلاف حول الثلث المعطل والمخاوف من هيمنة اي فريق على الحكومة من خلال توزيعة الـ ٨،٨،٨.

وتبين لاحقا، كما عبر الرئيس عون في بكركي ان هذا التقدم لم يقترن باتفاق ناجز حول نقاط اخرى عالقة مثل عقدة وزير الداخلية وتسمية وزيرين مسيحيين اضافيين يفترض احتسابهما من حصة الحريري.

وتقول مصادر مطلعة ان كلا من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف لم يتراجع عن موقفه منذ مغادرة الحريري الى الامارات العربية المتحدة، وان فكرة تفويض بكركي تسمية وزير او وزيرين مسيحيين لم تنجح خصوصا ان البطريركية المارونية بدت غير متحمسة لهذا الخيار خوفا من فشله مسبقا، عدا عن ان الدور السياسي الذي اخذت تلعبه مؤخرا من خلال دعوتها للحياد ولمؤتمر دولي حول لبنان يثير تساؤلات حول احتساب الوزيرين المحسوبين عليها.

وينقل عن مصدر سياسي بارز قوله ان في كل المبادرات التي طرحت وتطرح تبين وتؤكد ان ازمة الثقة بين عون والحريري لعبت وتلعب دورا مهما في اجهاض كل هذه المبادرات، كما ان هناك عوامل اخرى منها ما يتعلق بموقف واداء كل منهما تجاه عملية التاليف ومنها ما يتعلق بموقف بعض الاطراف الى جانب بعض العوامل الاقليمية والخارجية.

ويضيف المصدر ان الحريري متهم من اوساط رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر خصوصا بانه غير قادر وغير راغب، مشيرة الى سفراته للخارج في كل مرحلة جادة لتأليف الحكومة تعكس وتطرح اسئلة عديدة حول جديته في الرغبة بتسريع الحكومة.

وترى هذه الاوساط ان الحريري ما زال ينتظر ويراهن على دعم سعودي له، وهذا الامر مفقود حتى اشعار آخر كما ظهر في تصريح وزير الخارجية السعودي اول امس والذي كان واضحا بان الرياض لا تفضل احدا على احد.

ولا يبدو ان الحريري قد عدّل موقفه، وفق الاوساط نفسها، فهو يخشى في غياب الحصول على تفويض سعودي من تأليف الحكومة وفشل الحصول على دعم سياسي ومالي من دول الخليج.

وفي المقابل، يبدو ان الرئيس عون غير راغب وغير قادر ايضا على حسم تسهيل التاليف من دون حفظ حق صهره جبران لتحقيق مكسب معنوي وسياسي ولو كان محدودا يساعده في اعادة تعويم نفسه بصورة مقبولة لخوض معاركه السياسية لا سيما معركة الرئاسة.

ويعتقد المصدر ان تفاقم الوضع والضغوط الناجمة عنه يدفعان الى الاعتقاد بان عون والحريري باتا محشورين اكثر، من هنا يراهن الساعون وأصحاب المبادرات على احداث تعديل جدي في مواقفهما وتخلي كل منهما عن جزء من حساباته ورهانته تحت ضغط الازمة لصالح استيلاد الحكومة.

ويقول المصدر ان باريس على عكس بعض التحليلات لم تستسلم، وهي دخلت مباشرة مؤخرا على خط الاتصالات ان كان من خلال الاتصال مع الرؤساء عون وبري والحريري او من خلال تواصل فريق عملها المكلف بمتابعة الملف اللبناني، وهي في صدد القيام بخطوات اخرى، ولا يستبعد ان تجري لقاءات مع قيادات واطراف لبنانية في الايام المقبلة اكان مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل او مع آخرين.

وفي اعتقاد المصدر ان نيسان هو شهر حاسم بالنسبة للحكومة، لان الوضع لم يعد يحتمل اي تأخير كما حذر الرئيس بري مؤخرا في الاونسكو وفي عين التينة.

وينبه المصدر الى ان عدم التقاط اللحظة اليوم يفتح قد يشرّع الابواب امام الفوضى الشاملة في لبنان.