هل سقط سيناريو الشرق الأوسط الكبير من العقل الأميركي ؟

ديفيد بترايوس، القائد السابق للقيادة المركزية والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، لاحظ «أن مشكلتنا في دول المنطقة أن الذين يحكمونها طراز عجيب من الآلهة الذين ربما تسللوا من ... العالم الآخر».

آنذاك، ردت عليه توني موريسون، الكاتبة الحائزة جائزة نوبل في الآداب، بالسؤال «هل تعتقد، يا حضرة الجنرال، أننا لم نكن نحن الذين قمنا بتهريبهم، خلسة، من العالم الآخر ؟». لم تتوقف هنا . سألته «ألا تتصور أن الشيطان هو الذي تقيأ دونالد ترامب، والعديد من الرؤساء الآخرين في بلادنا ؟».

بترايوس الذي كاد يشق طريقه الى البيت الأبيض لولا مغامرة عاطفية أودت به، كان يعتبر صورة طبق الأصل عن الجنرال دوغلاس ماك آرثر الذي انحنى الأمبراطور هيروهيتو بين يديه غداة قنبلة هيروشيما.

شارك في غزو أفغانستان، وفي غزو العراق . وحذر من أفغنة لبنان، أو من عرقنة لبنان، قبل أن ينخرط في سياسة الكراهية حيال ايران، ليتهمها بلبننة سوريا، والعراق، واليمن، ليدعو الى «اعادة النظر في طريقة تعاملنا مع تلك المتاهة اللاهوتية!».

هل أفغانستان هي البداية في الرحلة المعقدة الى الشرق الأقصى ؟ الأميركيون هم من اخترع حركة «طالبان»، بالقمصان البيضاء، لحماية أنابيب الغاز التي تمر، عبر الشمال الأفغاني، من تركمانستان الى بحر العرب.

هم أيضاً من صاغوا تلك الايديولوجيات المجنونةللتصدي للشيوعية، قبل أن يعيدوا احياء الظاهرة كطريقة مثلى لتفكيك الخرائط في الشرق الأوسط، واعادة تركيب الدول طائفياً، واتنياً، وقبلياً ...

كثيراً ما عقدنا المقارنة بين كونسورتيوم القبائل في افغانستان وكونسورتيوم الطوائف في لبنان. أفغانستان التي فتنت فريديريك أنغلز، شريك كارل ماركس في وضع «رأس المال»، حين زارها عام 1858، وبهرته منازلها البيضاء، وحدائقها الغناء.

ثمة عرّاف عجوز حدثه عن قصة زهرة الخشخاش التي يستخرج منها الأفيون، الذهب الأفغاني. الاسكندر ذو القرنين مر بقندهار، وقع في غرام فتاة تدعى روكسانا. وعدها بأنه سيصطحبها معه الى أثينا بعد أن يفتح الهند . لم يعد، وقضت الفتاة التياعاً، ليفاجأ ذووها بأن زهرة الخشخاش، وهي زهرة النسيان، نبتت على قبرها.

مثلما فعلت القبائل الأفغانية، المتعددة الولاء، بالدولة فعلت الطوائف اللبنانية، المتعددة الولاء، بالدولة. الدخول على قرع الطبول الى ... الجحيم !

اسئلة في المحافل الأميركية ما اذا كان قرار الانسحاب من أفغانستان، وقد أعقب خفض القوات في الخليج، يستتبع العراق وسوريا التي تتعرض لأبشع أنواع النهب لآبار النفط، كما لصوامع القمح، ليشهد السوريون تلك التراجيديا التي لم يشاهدوا مثيلاً لها في التاريخ.

نحن الموتى في هذه المنطقة نعيش أزمنتنا الميتة. الآخرون في أزمنة أخرى. لا سياسة، ولا اقتصاد، ولا ثقافة . كل شيء يمضي القهقرى. وراء الضوء، يحكى عن جهود حثيثة، ومنسقة، ترعاها قامات سياسية ودينية في الخارج كما في الداخل لاقامة الدولة ـ الطائفة. لكل طائفة في لبنان دولتها. بماذا تختلف، في هذه الحال، الدولة ـ الطائفة عن الدولة ـ المقبرة ؟

للتذكير فقط هذا هو السيناريو الذي «تخيلته» المؤسسة اليهودية منذ قرن من الزمان، تنفيذاً للوعد الالهي. برمجة الخرائط في المنطقة لتكون الدولة اليهودية اللؤلؤة وسط ذلك الركام البشري.

الكاتب الاسرائيلي ديفيد غروسمان الذي فقد ابنه في وادي الحجير سأل ما اذا كان ابراهيم «قد دعانا الى اقامة دولة تحدق بها المقابر من كل حدب وصوب».

الآن، يكاد ديفيد بترايوس يقر بأن كل الصراعات في منطقتنا مبرمجة على الساعة الأميركية (والاسرائيلية) . الذين يخوضونها هم الدمى التي تحدث عنها مايلز كوبلاند في «لعبة الأمم».

ما هو مصير أفغانستان بعد أن ينسحب الأميركيون ؟ ما هو مصير المنطقة ؟ الكتب المنزلة لم تقل لنا ماذا ... بعد الجحيم !!