القطاع العمّالي ضحيّة أجور شهرية مُنخفضة وفواتير السوق السوداء


لا عجب بأنّ كلّ ما التقى إثنان سأل أحدهما الآخر «شو هالوضع؟ قولك لوين واصلين؟» ليُجيب الآخر «تعتير..والخير لقدّام»...!

يشعُر المواطن اللّبنانيّ اليوم بحالة لم يسبق له أن شعر بها حتى في عزّ أيّام الحرب، بات لبنان مُخدّراً مُستلقياً على فراش غرفة عمليات ينتظر الأطباء الّذين يعبثون في جسده خراب خيوط وقطب منها مخفية وأخرى تترك أثر الوجع، فيما أهل المريض لبنان يتشفعون للقديسين بانتظار الأعجوبة السماوية التي باتت الحلّ الوحيد لخلاص لبنان.

«الدّيار» التقت برامي، موظّف فئة خامسة في إحدى الإدارات الرّسمية اللّبنانية. حال رامي كحال جميع المواطنين اللّبنانيين، يعيش «بطلوع الروح» كما يصِف، ويقول: «أنا موظّف فئة خامسة أتقاضى راتبي على أساس الحدّ الأدنى للأجور 675,000 بالإضافة الى بدل النقل المعتمد وهو 8000 ليرة لبنانية لليوم الواحد. كيف يُعقَل إذاً أن أعتاش أنا وعائلتي براتب لا يتجاوز 1,200,000 ليرة شهرياً؟

يضيف: «اليوم وبسبب دفع المصاريف والفواتير الأساسية كالكهرباء والمولّد، ناهيك عن فواتير «السوبرماركت» التي ندفعها على أساس سعر الصرف اليومي للدولار، أُعلن كسائر اللبنانيين عجزي عن تأمين أبرز مستلزمات الحياة لأطفالي الثلاثة. فأنا أتقاضى راتبي على أساس 1,500 ليرة للدولار الواحد، وأدفع لأعيش على أساس سعر الصرف اليومي الّذي يُواصل ارتفاعه يوماً بعد يوم».

ويتابع رامي: «تجاوز سعر تنكة البنزين 40,000 ليرة، فبعملية حسابية بسيطة، أنا بحاجة لتنكة واحدة كلّ يومين تُقلّني الى مركز عملي، تُكلّفني 40,000 فيما أتقاضى عليها 16,000 ليرة ناهيك عن تكلفة صيانة السيارة والدواليب التي تتبع ارتفاع سعر صرف الدولار. نُطالب الدولة والمعنيين بنشلنا من هذا الوضع الكارثي الّذي نعيشه بأسرع وقت ممكن».

وبحسرة يسأل رامي:»عن أيّ وطن أُخبر ابني؟ على أيّ أساس أُعلّم ابني الوطنية وحبّ الوطن؟ أَأُخبره عن الوطن الّذي باع كرامة شعبه وجعله رهينة أحزاب متصارعة على مراكز السلطة؟

كان كلّ ما تبقّى لنا هو الهواء لنتفسّه مجاناً وبحُريّة، إلّا أنّهم لوّثوه...!»

سلّة إصلاحات في جعبة الاتحاد العمّالي العام... والهدف الأوّل تشكيل حكومة

أمام صرخة رامي الّذي حكى بلسان الشّعب اللّبناني عامةً، بحثت «الديار» مع رئيس الاتحاد العمّالي العام بشارة الأسمر الأوضاع الراهنة.

استهلّ الأسمر حديثه بالطلب المباشر من المعنيين بضرورة الإسراع في تشكيل حكومة شارحاً ان «الواقع الكارثي النّاتج عن ارتفاع سعر صرف الدولار يُحتّم علينا وجوب خلق معالجات وحلول سريعة إلا أنّنا مهما بحثنا تبقى كلّها مُكبّلة لأنّ اقرارها وتنفيذها يتوجّب وجود حكومة الأمر المرتبط بأهمية الاستقرار السياسي المفقود، لذلك نحثّ المعنيين الى ضرورة تشكيل حكومة ذات خلفية سياسية لتجنّب العراقيل عندما يحين موعد اتخاذ القرارات التي من شأنها تجميد وتحسين الوضع الإقتصادي الّذي يأخذ انهياره منحاً تصاعُدياً».

بلوعة وأسى ينعي الأسمر القطاع العمّالي اللّبناني ويشرح بالأرقام: «القطاعات الاقتصادية تغرق في بحر الانهيار الحاصل حيث وبالأرقام، يُسجّل لبنان اليوم 550,000 عاطلاً عن العمل في حين كانت الاحصائات قد سجّلت 120,000 منذ عامين بالرغم من مُزاحمة اليد العاملة حينها. أمّا بالنسبة للقطاعين التجاري والسياحي فأعلنا رسمياً إفلاسهما حيث أنّ 125,000 موظف فقد عملهم منذ انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019 حتى اليوم. حالة القطاع الصناي ليست بالأفضل إنّما الأوضاع الراهنة المترديّة مالياً من جهة وأزمة كورونا من جهة أخرى أدّت اللى استحداث صناعات جديدة في في المجال الغذائي والدوائي تحديداً».

سلّطت «الديار» في حديثها مع الاسمر على محور الرواتب والأجور التي لم تعُد تفي بغرض المعيشة وعلى دور الاتحاد العمّالي العام المسؤول عن متابعة احوال الموظفين وعن خطط الانقاذ التي يبحث عنها الاتحاد، فيجيب:»جهّز الاتحاد العمّالي العام سلّة إجراءات تشمل القطاعين الخاص والعام من اجل اعادة النظر بالوضع الاقتصادي وتتضمّن الآتي:

-تقديمات اجتماعية موازية لزيادة الرواتب.

-زيادة بدل النقل بحيث يُصرف بحسب بعد مسافة الموظّف عن مركز عمله.

-زيادة نسبة المنح والمساعدات المدرسية.

-زيادة خدمات الضمان الاجتماعي والاستشفاء».

ويؤكّد بأنّ هذه السلّة بحاجة لمراسيم حكومية تُقرّها لذلك تشكيل الحكومة هو بداية الحلّ، وبعدها يجب المباشرة بالعمل على برامج إغاثة مستعجلة لمدّة خمس سنوات مع تأمين بطاقات تميلية وإعادة تقييم جدول الأجور.

«المالية»: لا خوف على أجور القطاع العام!.... ومصلحة حماية المستهلك في المرصاد

وزارياّ، كان لا بُدّ ل «الديار» من طرق أبواب الوزارات المعنية مباشرة بالموضوع، فمع التخوّف من عدم قدرة الدولة على تأمين رواتب القطاع العام، أكّد مدير عام وزارة المالية جورج معرّاوي في اتصال معه بأنّه لا خوف على أجور القطاع العام رافضاً الدخول في المزيد من التفاصيل.

وعن امكانية تثبيت سعر صرف الدولار في فترة زمنية قريبة، أشار الى أن وزارة المالية ممثلة بوزير المالية في الحكومة المولجة الاهتمام بهذا الموضوع.

أمّا لجهة معانات الشارع اللبناني من ارتفاع أسعار السلع تارة بسبب ارتباطها بسعر صرف الدولار وطوراً بسبب تلاعب التجار واستغلالهم واقتناصهم الفرص، اوضح مدير عام وزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر أنّ مراقبي وزارة الاقتصاد ومصلحة حماية المستهلك موجودون على كافة الأراضي اللبنانية من أجل مراقبة ومحاسبة كلّ مؤسسة ترفع أسعار السلع ممّا يُعرّضها لدفع غرامة مالية والملاحقة القانونية.

ودعا أبو حيدر عبر «الديار» المواطنين الّذين يقعون ضحية أعمال مشابهة تبليغ مصلحة حماية المستهلك عبر الاتصال على الخطّ الساخن 1739.

لبنان بلد الدّعم، فالوزير مدعوم، والنائب مدعوم، وكل مسؤول في لبنان مدعوم.... إلا المواطن، فله دعم من نوع آخر، دعموه بالفقر واالجوع والعوز والبطالة ووعدوه بمواد مدعومة إن وجدها عانى الأمرّين للحصول عليها.

أهو حلم طويل نستفيق منه بعد ثُبات عميق لتعود كرامة العيش في الوطن مقدّسة وسامية؟