تفسير موقف البابا صناعة محلية ... ولا حكومة قريباً

كيف يمكن ان تشق المساعي، التي يواصل الرئيس بري ومعه حزب الله القيام بها ، طريقها الى تاليف الحكومة في ظل الصراع الشرس الذي يدور بين الرئيسين عون والحريري والذي تحول الى حالة عداء تتجاوز الملف الحكومي وكل ما يقال عن عقده وتعقيداته.

وما شهدناه ونشهده مؤخرا من تصعيد في المواجهة بين الرجلين يثير القلق من ان تطول الازمة الحكومية الى نهاية العهد. وبدلا من ان يستفيد لبنان في هذه اللحظة الاقليمية والدولية ونسارع الى تاليف الحكومة قبل السقوط اكثر في الهاوية، ها هو عون والحريري ينشران الغسيل الوسخ لخلافهما وصراعهما في الخارج وتحت قبة الفاتيكان هذه المرة ، الاول عبر الاثير من بعبدا الى روما والثاني مباشرة في حضرة البابا.

سجال «سياحي» بامتياز بينما يشهد لبنان حالة تصحّر بكل معنى الكلمة على كل الصعد ، فلا سياحة ولا اصطياف ولا حياة لمن تنادي ..

لم يكد الرئيس الحريري يصعد الطائرة قاصدا الفاتيكان حتى عاجله رئيس الجمهورية برمية جديدة واصفا زيارته بالرحلة السياحية. وبعد «اجتهاد» اعلامي بالسؤال عن ما نسب لرئيس الجمهورية سارع رئيس الحكومة المكلف الى الرد بالمثل قائلا ان السياحة في القصر الجمهوري.

ووفقا لمصدر سياسي مطلع فان اللقاءات مع قداسة البابا اكان في زيارات رسمية او في زيارات غير رسمية يقتصر فيها الحديث حول القضايا العامة والعناوين الكبرى ولا يدخل في التفاصيل مثلما اثير ويثار في لبنان حول زيارة الرئيس الحريري. فلا الزائر يتطرق الى هذه التفاصيل ولا قداسته يتكلم بها.

ويقول المصدر ان ما سمعناه وقرأناه اكان مسربا من اوساط هذا الفريق او ذاك يندرج في اطار الاجتهادات والتفسيرات التي يلجأ اليها كل طرف لتقوية حجته تجاه الآخر.

ويؤكد المصدر على ما يلي :

١- ان قداسة البابا لم ولا يعلق على التفاصيل بقدر ما يعكس موقف الفاتيكان العام تجاه الازمة اللبنانية ، وهو الموقف الذي لا يختلف عن موقف فرنسا صاحبة المبادرة تجاه لبنان. ولذلك فان موضوع الخلاف والسجال الحاد الحاصل بين الحريري ورئيس الجمهورية وصهره باسيل لا يكون موضع بحث مع قداسته وان كانت الفاتيكان ملمة بتفاصيل الازمة الحكومية اللبنانية. كما ان الفاتيكان تحرص على ان تكون على مسافة واحدة من كل الاطراف والمكونات اللبنانية ولا تنصب نفسها محكمة للحكم عليها.

٢- تشدد الفاتيكان على الاسراع في تشكيل الحكومة الانقاذية التي تضع وتطبق الاصلاحات المنشودة لكي يتمكن المجتمع الدولي من مساعدة لبنان. وهذا الموقف لخصه سفير لبنان في الفاتيكان فريد الخازن في حديث له قبل حوالي اسبوع من زيارة الرئيس الحريري. كما ان بيان الفاتيكان عكس بوضوح هذا الموقف الذي شدد عليه قداسته في الفقرة التي خص بها لبنان في وقت سابق.

٣- الفاتيكان حريصة على ان يبقى لبنان ودوره في المنطقة كانموذج للتعايش والعيش المشترك بين كل طوائفه ومكوناته، وهي بطبيعة الحال مع اللبنانيين جميعا بكل طوائفهم وتقف على مسافة واحدة من الجميع.

٤- تتمنى الفاتيكان بل تنزعج من نقل الخلافات اللبنانية بتفاصيلها خارج الساحة اللبنانية، وتنصح دائما بالحوار وتغليب لغة التفاهم بين كل الاطراف.

وفي ظل هذه الاجواء المتصاعدة التي رافقت زيارة الحريري الى الفاتيكان تقول مصادر سياسية ان هذا التراشق بين بعبدا وبيت الوسط الذي تجاوز هذه المرة حدود لبنان ووصل الى مسامع البابا فرنسيس يبعث على الاسف الشديد ويعكس اولا حجم الهوة بين عون والحريري، ما يفترض من الوسطاء والساعين الى الحلول الحكومية ان يأخذوا هذا الامر بعين الاعتبار ويضعوا على رأس اولويات عملهم السعي الى معالجة الفجوة الكبيرة في العلاقة بين الرجلين بالحد الذي يساعد على استئناف البحث الجدي في العراقيل الباقية امام تاليف الحكومة.

وبرأي المصادر ان ما جرى في اليومين الماضيين يؤشر بوضوح الى ان كلا من عون والحريري ذاهب في تشدده الى حد من الصعب جدا ان تنجح في اجوائه عملية تدوير الزوايا حول العقد الحكومية، وبالتالي هناك حاجة ملحة لتدخل قوي وفاعل من قبل الوسطاء لوقف هذا السجال الحاد الذي بات يشكل عقدة اساسية في وجه كل الحلول.

وتعتقد المصادر ان ما جرى ويجري لا يبعث على التفاؤل بقرب الحل، وان الحديث عن اسابيع قليلة للحسم يبقى مجرد تكهنات لا تستند الى معطيات جدية ما لم يسعَ وينجح الوسطاء في اعادة تطبيع العلاقات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف.

حتى الآن لا يبدو ان هناك قرارا لدى عون والحريري بالتراجع عن المضي بمعركة كسر العظم التي يخوضانها، فلا رئيس الجمهورية ولا الرئيس المكلف اعطى اية اشارة ايجابية بالرغبة في تقديم كل منهما تنازلات متبادلة لملاقاة بعضهما البعض في منتصف الطريق من اجل الخروج من المأزق الراهن.

ويصر الرئيس عون على استئناف الحوار مع الحريري انطلاقا من الملاحظات التي طرحها في آخر لقاء بينهما، متمسكا بالبحث في بعض الاسماء والحقائب خارج اطار او بالاضافة الى معادلة الـ ٨،٨،٨، التي طرحها الرئيس بري.

اما الرئيس الحريري فيتمسك بالتقيد بالمعادلة المذكورة، ويرفض مشاركة عون في تسمية اي وزير اخر خارج حدود هذه المعادلة التي تجنب حصول اي طرف الثلث المعطل، ولا يمانع في نفس الوقت بان يتطرق البحث فقط الى موضوع حقيبة الداخلية.