لا عودة الى «الطاولة» قبل تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة

لا يزال موضوع ترسيم الحدود البحريّة مع العدو الإسرائيلي موضع جدل ونقاش وأخذ وردّ سياسي داخلي، في ظلّ استمرار الضغط الأميركي لعدم تعديل المرسوم 6433 كون الإحداثيات الجديدة التي تنطلق من الخط 29 تُعطي لبنان مساحة 1430 كلم2 إضافية للخط 23 المودع اليوم لدى الأمم المتحدة. وقد جرى «تعليق» التعديل النائم اليوم في أدراج مجلس الوزراء الى أن يُقرّر رئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب الدعوة الى عقد جلسة إستثنائية ببند وحيد هو «تعديل المرسوم 6433»، أو تتخذ الهيئة العامّة لمجلس النوّاب قراراً ما في هذا السياق لحفظ حقّ لبنان في ثروته البحرية الذي يُحاول العدو الإسرائيلي سلبه إيّاها بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية التي تؤدي دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وبين هذا الأخير.

أمّا لماذا قام العدو الإسرائيلي بتعليق مفاوضات الترسيم في 2 كانون الأول 2020 بعد تأجيل الجولة التي كان يُفترض أن تُعقد بهذا التاريخ في مقرّ قوّات «اليونيفيل» في الناقورة، على غرار الجولات السابقة التي حصلت في 14 و28 و29 تشرين الأول وفي 11 تشرين الثاني الماضيين، فتعزوه أوساط ديبلوماسية مواكبة لموضوع الترسيم لعدم امتلاك «الإسرائيلي» أي حجج قانونية وتقنية يُقدّمها ضدّ الخط 29 الذي اقترح الوفد اللبناني المفاوِض النقاش حوله. فعندما بدأت المفاوضات غير المباشرة، كان يعتقد أنّه آتٍ ليُفاوض على ما يُسمّى مثلث أو منطقة النزاع المتمثّلة بمساحة الـ 860 كلم2، وكان يأمل أن يحصل على القسم الذي أعطاه إيّاه «خط هوف» منها. فـ «خط هوف» اقتسم هذه المساحة بنسبة نحو 55% للبنان و45% للعدو الإسرائيلي أي ما يُعادل490 كلم2 للبنان و370 كلم2 ل «الإسرائيلي»، غير أنّ الجانب اللبناني أسقط «خط هوف» والخط «الإسرائيلي» الذي ينتهي عند النقطة 1، كما الخط 23 الذي ينصّ علية المرسوم 6433، وسائر الخطوط الوهمية وغير التقنية والقانونية، كيف؟

خلال المفاوضات غير المباشرة في الناقورة، على ما أوضحت الاوساط، تمكّن الوفد اللبناني المفاوِض من أن يُبرهن للعدو الإسرائيلي، وللجانب الأميركي الوسيط أنّ الخط «الإسرائيلي» الذي يبدأ من النقطة 31 وينتهي عند النقطة 1 هو خط ساقط من الناحية التقنية والقانونية كونه لا يبدأ من «رأس الناقورة» بل من بعد عدة أمتار من شمال الرأس، وهذا عيب قانوني... كما أنّ الخط اللبناني الصادر في المرسوم 6433، والذي ينطلق من النقطة 18 وينتهي بالنقطة 23، ساقط قانوناً أيضاً لأنّه يبعد نحو 30 متراً في البحر غرب نقطة «رأس الناقورة». وهذا الأمر يجعل من المنطقة التي كانت تُسمّى «متنازع عليها» البالغة 860 كلم2، غير موجودة وأصبحت من الماضي. كما بيّن أنّ «خط هوف» تشوبه عيوب 3 أميال وهو مجحف بحقّ لبنان ويُعطي «الإسرائيلي» قسماً من من المثلث البحري الذي هو حقّ لبنان بالكامل.

ولهذا قرّر لبنان التفاوض على الخط 29 كونه خطا سليما قانوناً فهو يبدأ من «رأس الناقورة» ويتجه جنوب غرب حسب تقنية «خط الوسط» التي هي تقنية هندسيّة. وتكمن أهميته ليس لأنّه خط متين ويرتكز على القانون الدولي، بل لأنّ له أهميّة استراتيجية وأمنية ويعيد المنطقة البحرية على شكل مثلث للبنان، المقابلة لساحل منطقة «روش هانيكرا» التي تُعتبر من أهمّ المناطق السياحية عند العدو الإسرائيلي، وهي معلم سياحي بامتياز تغزوه المطاعم وفيه مغاور بحريّة و»تيليفريك». وهذا الواقع يُشكّل ورقة ضغط وتفاوض مهمّة جدّاً للبنان لا يجب أن يتخلّى عنها أو أن يخسرها وبإمكانه استعادتها من خلال الخط 29.

ولدى طلب مناقشة الخط 29 من قبل العدو الإسرائيلي لإظهار إذا ما كان فيه عيوب ما، على ما أضافت الأوساط، علّق هذا الأخير المفاوضات لأنّ لم يكن لديه أي شيء يقوله، ولا أي حجّة قانونية أو تقنيّة للإعتراض عليه. وأكّدت أنّه لو قام لبنان بتعديل المرسوم 6433 قبل بدء المفاوضات غير المباشرة وأودعه الأمم المتحدة، لما كان العدو الإسرائيلي وافق على الجلوس الى الطاولة. أمّا موافقته فقد بناها على إمكانية تحصيل النسبة التي اقترحها «خط هوف» من المثلث البحري، أو على المساحة بكاملها كون الخط 1 الذي يرسمه يضمّ المثلث بالكامل الى منطقته الإقتصادية الخالصة.

وعن القول انّ لبنان رسم الخط 29، الذي يقتطع نصف حقل «كاريش» والبلوك 72 بالكامل من المنطقة البحرية للعدو، لإثارة نزاع جديد مع العدو بدلاً من التفاوض على ما يحقّ له، قالت الاوساط، انّ هذا غير صحيح. فلو أراد لبنان عبر الوفد المفاوِض خلق مشكلة جديدة مع العدو الإسرائيلي لاعتمد الخط الموازي لخطوط العرض أو الخط الذي يُسمّى «إمتداد للحدود البريّة». وهذا الخط الجنوبي الأقصى يجعل من حقلي «كاريش» و»تنين» وجزء من حقلي «تمار» و»ليفيتان» ضمن المياه اللبنانية. غير أنّه لم يفعل... فيما رسم «الإسرائيلي» الخط 310 الذي ينطلق من الناقورة ويضرب البلوك 8 بكامله، وجزءا من البلوكات 9 و10 و5، أي كلّ البلوكات الجنوبية ويدفع بشركة «توتال» الفرنسية الى المغادرة بدلاً من المجيء لبدء عملها في البلوك 9، على ما هو مقرّر في الإتفاقية المعقودة معها. ولكن في الواقع، إنّ هذا الخط (310) هو خط وهمي، لا أساس تقني وقانوني له، وقد صرّح عنه «الإسرائيلي» في وسائل الإعلام فقط قبل جولة المفاوضات الأولى بأيّام (في 6 ت1 2020).

في المقابل، أظهر الإعلام اللبناني، على ما عقّبت الأوساط نفسها، الخط الذي يُسمّى «إمتداد الحدود البريّة» والذي يتجه الى أقصى الجنوب، والذي له سوابق مماثلة في دول العالم، ويُمكن الدفاع عنه، وينصّ عليه «الدليل التقني لقانون البحار»، وقامت بعض الدول برسمه عند حدودها. فكان أنّه بمواجهة الخط 310 الساقط تقنياً وقانونياً، هناك خطّ أقوى منه هو خط «إمتداد الحدود البريّة» من الجانب اللبناني. وعندما صدر هذا الخط في الإعلام، سحب «الإسرائيلي» الخط 310 كونه استوعب أنّ خطّه ضعيف فيما الخط اللبناني أقوى منه بكثير.

من هنا، نستنتج، على ما أضافت الاوساط، أنّ الجيش اللبناني لا يُرسّم الخطوط، بطريقة عشوائية، على ما يفترض البعض، وليس هدفه الهجوم على العدو الإسرائيلي بل تحصيل حقّوق بلده وشعبه. وقد اختار الوفد اللبناني أن يكون براغماتياً وواقعياً ورسم الخط 29 وفقاً للقانون الدولي الذي يُمكن الدفاع عنه بقوّة، ويمكنه بالتالي استعادة حقوق الشعب اللبناني. ولهذا لا بدّ من أن يقوم لبنان بتعديل المرسوم 6433 أحصلت المفاوضات غير المباشرة أم لم تحصل بهدف حفظ حقوقه. في الوقت نفسه، لفتت الى أنّه على الأميركي أن يكون عادلاً على الأقلّ كونه يؤدي دور الوسيط، مشيرة الى أنّه لا يستطيع أن يفرض على لبنان مساحة النقاش، أو أن يُمارس عليه الضغط السياسي بغية تأخير تعديل المرسوم 6433 الذي هو حاجة وطنية تتعلّق بالحقوق اللبنانية.

وشدّدت الاوساط، على أنّ لبنان لا يُمكنه اليوم العودة الى المفاوضات إلاّ من حيث توقّفت أي من النقاش حول الخط 29 وذلك بعد أن يكون قد أرسل المرسوم 6433 معدّلاً الى الأمم المتحدة وليس العودة الى النقاش حول مساحة الـ 860 كلم2 التي سقطت بحجّة التقنية والقانون. فعودته اليوم تجعله غير قادر على إنذار شركة «إنرجين» اليونانية التي ستأتي في حزيران المقبل لبدء عملها في حقل «كاريش»كونه بعيدا عن الخط 23 فيما يدخل نصفه في المنطقة البحرية اللبنانية مع اعتماد الخط 29 لدى الأمم المتحدة. وعندئذ بإمكانه إنذارها كونها تعمل في منطقة نزاع.