لأنه لم يبق أمام اللبنانيين الا الصلاة والدعاء للخروج سالمين من الارتطام القريب المرتقب بعد مرحلة انهيار مستمرة منذ نحو عامين، ولأن المسؤولين الذين كان يفترض فيهم ان يقودوا الطائرة الى بر الأمان ارتأوا ترك مقودها ما سيؤدي الى تحطمها بشكل مريع، رفع البابا فرنسيس صلواته لبقاء لبنان الذي نعرفه، وشدد في رسالة بعث بها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على ان «لبنان لا يمكنه ان يفقد هويته ولا تجربة العيش الاخوي معا التي جعلت منه رسالة الى العالم بأسره»، وجدد رغبته في «ان تتحقق زيارته الى لبنان وشعبه الحبيب»، مؤكدا «صلاته الحارة على نية اللبنانيين لكي يحافظوا على الشجاعة والرجاء في المحنة التي يجتازونها». وفي رسالة شكر فيها عون على كتاب تهنئته لمناسبة السنة الثامنة لحبريته، والرسالة التي بعث بها اليه على اثر زيارته للعراق والتي تضمنت دعوة رسمية للاب الاقدس لزيارة لبنان، رفع البابا فرنسيس الدعاء «الى الله لكي يساعد الرئيس عون والمسؤولين السياسيين ليعملوا من دون هوادة من اجل الخير العام في بلاد الأرز». وقال «اوكل امتكم الغالية لحماية سيدة لبنان طالبا من امير السلام بان يبارككم ويحفظ لبنان وجميع أبنائه».

 تشكيل الحكومة... معجزة 

وتأتي صلاة ودعاء البابا في وقت بلغت فيه الأزمة مستويات غير مسبوقة مع توقف تام لمشاورات تشكيل الحكومة ووصول كل الفرقاء على ما يبدو الى قناعة بأن عملية التأليف باتت في «خبر كان» وأقرب لتكون مستحيلة في الظروف الراهنة وتتطلب معجزة ما تبدو بعيدة المنال. متكئة على هذه الوقائع، دعت عضو تكتل «الجمهورية القوية» ستريدا جعجع يوم أمس تكتل «لبنان القوي» لكي يبادر للتنسيق مع «القوات»، «من اجل ان نستقيل جميعا من مجلس النواب الامر الذي من شأنه ان يفقد المجلس ميثاقيته وبالتالي الذهاب نحو انتخابات نيابية مبكرة». وينسجم الموقف القواتي هذا مع موقف حزب «الكتائب اللبنانية» الذي كان أول الأحزاب التي دعت النواب للاستقالة بعد انفجار مرفأ بيروت والذهاب الى انتخابات مبكرة. لكن رغم ذلك يصر الحزبان المسيحيان اللذان لطالما كانا أقرب الى حزب واحد على مواصلة السير في مسارين مختلفين تماما نتيجة الخلاف المستشري بين قيادتيهما. وتشرح مصادر قيادية في حزب «القوات» أن «توجه جعجع للعونيين دون سواهم للاستقالة مرده لكون تيار «المستقبل» والحزب «التقدمي الاشتراكي» كانا ولا زالا يرفضان ملاقاة القيادة القواتية في دعوتها هذه، ومن منطلق ان استقالة النواب العونيين والقواتيين معا يفقد المجلس النيابي الحالي الغطاء الميثاقي باعتبار ان معظم النواب المسيحيين يكونون بذلك قد أصبحوا خارجه».وتقول المصادر لـ «الديار»: «هدفنا الاساسي كقوات حاليا هو الذهاب باتجاه انتخابات نيابية مبكرة لأن خلاف ذلك سيعني تمديد للأزمة ومفاقمة مآسي اللبنانيين. حتى تشكيل الحكومة الذي يدفعه باتجاهه كثيرون لا نراه الحل المناسب في هذه الظروف».

ولا تشير المعطيات الى ان القيادة العونية بصدد ملاقاة «القوات» عند منتصف الطريق خاصة وان الخلاف وصل مستويات غير مسبوقة بين الطرفين خلال الايام القليلة الماضية على خلفية تبادل اتهامات ب»النازية». وتقول مصادر «الوطني الحر» لـ «الديار» ان «رئيس «التيار» جبران باسيل كان واضحا في اطلالته الاخيرة حين تحدث عن «حالة وحيدة باقية للتفكير فيها من أجل سحب التكليف من الحريري وهي استقالة مجلس النواب، فيصير تكليفه بلا وجود! وهذا يعني انتخابات مبكرة... فهل الإنتخابات المبكرة تغيّر بالمعادلة؟ طبعاً لا». وتشير المصادر الى ان «موقف «لبنان القوي» واضح لجهة اعتباره تشكيل الحكومة اولوية وليس لانتخابات مبكرة خاصة وان موعد الانتخابات العامة اصبح قريبا جدا، بحيث لم يعد يفصلنا عنها الا عام واحد»، معتبرة ان مواقف «القوات» مواقف شعبوية، كما جرت العادة، ولا تمت للمصلحة اللبنانية العليا بصلة».

وكانت النائب جعجع ترأست وفدا قواتيا زار بكركي يوم أمس دعما لمواقف الصرح واهمها الحياد. وبعد لقائه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، تحدثت النائب ستريدا جعجع باسم الوفد، قائلة «عبّرنا له عن تأييدنا الكامل لكل ما يقوم به من مساع، وبشكل مستمر، من أجل محاولة إنقاذ لبنان مما يتخبط فيه، وخصوصا لناحية الصرخة التي أطلقها من أجل رفع اليد عن الدولة وتحريرها، ودعوته إلى الحياد».

بعد السعودية.. من التالي؟ 


وبما بدا أنه تمسك سعودي بقرار وقف الاستيراد من لبنان، نشر السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري، رسما بيانيا عبر صفحته على «تويتر» لعدد الحبوب المخدرة المهربة من لبنان عبر الخضر والفواكه للسعودية، تحت عنوان «الحرب على المخدرات». وقال البخاري، ان «إجمالي ما تم ضبطه من المواد المخدرة من لبنان منذ بداية عام 2020 حتى شهر أبريل 2021، بلغ 57,184,900 حبة.

وعبرت مصادر رسمية لبنانية عن تخوفها من ان تتضامن دول خليجية أخرى مع السعودية وتعمد الى وقف الاستيراد من لبنان ما قد يشكل مسمارا اخيرا في النعش اللبناني، مؤكدة لـ «الديار» ان هناك قرارا واضحا لدى رئاسة الجمهورية بفعل كل ما يلزم للحؤول دون قرارات جديدة مماثلة من خلال العمل على توقيف المتورطين وضبط الحدود.

وبما يؤكد استنفار رئيس الجمهورية لمعالجة الأزمة المستجدة، أفاد المكتب الاعلامي في القصر الجمهوري ان الرئيس عون أجرى اتصالاً هاتفياً يوم أمس بوزير الداخلية والبلديات العميد محمد فهمي، واطلع منه على نتائج التحقيقات الجارية ومسار الإجراءات التي اتخذت في الاجتماع الموسع الذي عقد امس في قصر بعبدا. وقد وضع الوزير فهمي الرئيس عون في آخر التفاصيل المتعلقة بالموضوع، وما توافر من معطيات لدى الأجهزة الأمنية، كما اعلمه عن اتصال اجراه بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مؤكداً ادانة لبنان لعملية التهريب وكل ما يمس امن المملكة واستقرارها وسلامة شعبها، واطلعه على الإجراءات التي اتخذها لبنان في هذا الصدد.

ومواكبة للتطورات، أبدت الهيئات الاقتصادية تخوّفها الشديد «من أن يؤدي التراخي في معالجة الأزمة الحالية بجدية مطلقة، إلى تجرؤ الخارجين عن القانون التمادي بأفعالهم الجرمية وبالتالي توسّع الحظر ليشمل دولاً أخرى ومنتجات أخرى». وسألت «المسؤولين في الدولة من أعلى الهرم حتى أسفله: إذا لم تتحرّكوا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ لبنان لمعالجة هذه الأزمة التي ستكون لها آثار كارثية على عشرات آلاف اللبنانيين بل مئات الآلاف وعلى الاقتصاد الوطني وعلى وَطَنٍ بات يعتمد على ما يأتيه من عملات صعبة جراء التصدير للاستمرار في أدنى شروط الحياة، فمتى ستتحرّكون؟!». واقترحت خارطة طريق مُلحّة لمعالجة الأزمة، توزّعت على المستوى الداخلي، وعلى مستوى منافذ التصدير البحري والبري الشرعيّة.

ودائما في مجال تهريب الممنوعات، أعلنت المديرية العامة لقوى الامن الداخلي ـ شعبة العلاقات العامة يوم امس عن ضبط 11 كلغ من مادة الكوكايين مع أحد المواطنين القادمين الى لبنان من البرازيل.

 عون تلجأ لشورى الدولة

قضائيا، تقدمت مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون الى مجلس شورى الدولة بمراجعة بوجه الدولة اللبنانية ووزارة العدل لابطال القرار الإداري الصادر عن مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات لتجاوز «حد السلطة باغتصاب صلاحيات قانونية للقاضية عون، لا تعود له أصلاً مع طلب وقف تنفيذ القرار المذكور».

ماليا ومعيشيا، ترأس رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب يوم امس اجتماعا اقتصادا في السراي الحكومي بحث بموضوع البطاقة التمويلية وبرامج الدعم الاجتماعي، فيما استقبل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وفداً من الاتحاد العمالي العام برئاسة بشارة الأسمر. وبحسب بيان الاتحاد «وضع الوفد الحاكم بواقع رفض بعض المصارف من دون أي حق قانوني فتح حسابات جديدة للموظفين في القطاعين الخاص والعام، وكذلك رفض تطبيق آلية تحويل الرواتب من الدولار الى الليرة اللبنانية وفق سعر المنصّة في عدد من المؤسسات وخصوصاً منها موظفي وعمال «الجامعة الأميركية في بيروت» ومستشفى «أوتيل ديو» الذين يتقاضون جزءاً من أجورهم بالدولار الأميركي. فضلاً عن رفض توطين رواتب موظفين جدد في القطاع الخاص والعام». وردّ الحاكم أنّ هذه المشكلات تستدعي أولاً الإسراع في تشكيل حكومة جديدة فوراً، وأنّ رفع الدعم مرتبط بقانون يصدر عن مجلس النواب، كما أشار الى أنّ فتح الحسابات الجديدة هو حق للمواطن وأنه سيبلّغ المصارف بهذا الموضوع، كما أنّ تحويل تعويضات نهاية الخدمة على سعر المنصّة يرتّب أعباءً مالية تفترض بحثها مع وزير المال. وأفاد الحاكم بأنّ المصرف المركزي يسعى من خلال تطبيق التعميم 154 إلى التمكّن من إعادة تكوين احتياطات المصارف بنسبة 3% مما يساعد على حل موضوع الملاءة المالية وكذلك إعادة 30% من الأموال التي خرجت من لبنان منذ العام 2017. أما في ما يتعلق بموضوع الدولار الطالبي فهو من مسؤولية المصارف التي لم تتقيّد بالقانون 193 الصادر عن المجلس النيابي مؤخراً».