حكومة الحريري المقبلة نسخة مُنقحة عن حكومة دياب بغطاء دولي

بالرغم من كل الظروف التي رافقت عملية تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب كما رافقت عملها سواء في مرحلة العمل «الفعلي» او مرحلة تصريف الاعمال المستمرة، لا يمكن القفز فوق واقع ان هذه الحكومة نموذج عن حكومة التكنوقراط التي يدفع باتجاهها حاليا سواء من قوى ومجموعات متعددة في الداخل اللبناني او من خلال المبادرة الفرنسية وبعض القوى الدولية. فاذا كانت هذه الحكومة لم تلب الطموحات اللبنانية والدولية فلا شك ان اي حكومة اخرى من هذا النوع لن تؤدي الغرض.

قد ينتقد كثيرون هذه المقاربة لاعتبارهم ان حكومة دياب اصلا ليست حكومة تكنوقراط وانها حكومة حزب الله و«التيار الوطني الحر»... هذا التوصيف كان لينفع في مرحلة تسمية دياب والتشكيل، لكنه لا شك لم يعد ينفع اليوم بعدما قرر دياب وعدد كبير من الوزراء التمرد على مرجعياتهم ومواصلة العمل في وزاراتهم من دون الاخذ بنصائح وآراء قوى واحزاب سياسية دفعت باتجاه توزيرهم.

ويصح ذلك بشكل اساسي على الرئيس دياب الذي قرر الانتقام من كل القوى التي سمته وما لبثت ان تركته في منتصف الطريق بعد انفجار مرفأ بيروت ضاغطة عليه للاستقالة. فعلاقة دياب - عون بأسوأ احوالها منذ اشهر. هو ناقم على بعبدا وبعبدا ناقمة عليه نتيجة عدم تجاوبه مع الدعوات المتكررة لتفعيل عمل حكومة تصريف الاعمال لمواجهة التحديات الراهنة... اصراره هذا على التمسك بالحدود الضيقة لتصريف الاعمال اطاح ايضا علاقته بحزب الله التي بعد ان كانت ممتازة في الاشهر الاولى للتأليف تحولت الى عادية ومؤخرا الى اقل من ذلك.

اما عن علاقة دياب برئيس المجلس النيابي نبيه بري، فحدث ولا حرج. فالاخير الذي لم يكن متحمسا اصلا لاستقالة سعد الحريري ولدخول دياب السراي الحكومي، يعتبر رأس الحربة التي اسقطت الحكومة الحالية بالضربة القاضية، وهو ما يعيه دياب، جيدا لذلك تراه لا يتردد كلما سنحت له الفرصة برمي الكرة في ملعب بري، وآخر المحاولات بتحميل المجلس النيابي مسؤولية توسيع صلاحيات حكومة تصريف الاعمال، ما أغاظ رئيس المجلس ودفعه الى رد منفعل.

كل ما سبق يجعل من دياب حاليا مثال رئيس الحكومة التكنوقراط من منطلق انه لا يخضع اليوم لاي طرف سياسي، كما هي الحال مع عدد من الوزراء الذين لم يتجاوبوا مع قوى سمتهم وباتت علاقتهم بها اما مقطوعة او بالحد الادنى، وهنا نذكر وزير الاقتصاد راول نعمة الذي سماه «التيار الوطني الحر» الذي كان غير متجاوب مع القيادة العونية من انطلاق العمل الوزاري، كما نذكر وزيرة العدل ماري كلود نجم التي لا تبدو على علاقة جيدة مؤخرا بـ «التيار».

وتعتبر مصادر سياسية واسعة الاطلاع ان «مشكلة الخارج لم تكن يوما مع حكومة سياسية في لبنان، فباريس حين صاغت مبادرتها وضمنتها حكومة التكنوقراط فعلت ذلك على وقع ضغط الشارع وانتفاضة 17 تشرين الاول 2019، لكنها سرعان ما تراجعت عن بند اساسي فيها، فكيف تكون حكومة تكنوقراط ورئيسها رئيس حزب سياسي وابعد ما يكون عن الاختصاصيين؟» وتضيف المصادر: «لم يعد اصلا خافيا ان عملية تشكيل حكومة الحريري تخضع حاليا للآلية نفسها التي اعتمدت بتشكيل حكومة دياب بحيث ان كل حزب يختار مقربين منه من غير الحزبيين... المشكلة ليست بالاسماء، المشكلة بتوجه الحكومة وبرنامجها وبتأمين الثقة والدعم الدولي والاهم بقدرتها على فك الحصار المفروض على لبنان وتأمين المساعدات اللازمة سواء من صندوق النقد الدولي او من صناديق اخرى... كل ما عدا ذلك لا يقدم ولا يؤخر».

وتشير المصادر الى ان «عدم حماسة حزب الله والرئيس عون كما النائب جبران باسيل لحكومات التكنوقراط هو لاقتناعهم بأن المطالبة بها ليس ايمانا بقدرتها على النهوض ببلد كلبنان انما لتحقيق اهداف خارجية مشبوهة».

بالمحصلة، يبدو واضحا ان الازمة الحكومية ابعد ما تكون عن ازمة اسم هنا او وزارة هناك، وهي باتت مرتبطة كليا بالحلول والتسويات التي بدأت تلوح في افق المنطقة... فكلما انجزت التفاهمات الدولية سريعا كلما كان من الممكن انقاذ ما تبقى من اسس الدولة المتداعية.