ليس من إنتخابات مُبكرة وما من مجلس نيابي حلّ نفسه في تاريخ لبنان


تُسارع بعض الأحزاب اللبنانية الى تكرار أحد مطالبها الملحّة ألا وهو الإنتخابات النيابية المُبكرة، وذلك عن طريق التلويح باستقالات جماعية بهدف حلّ مجلس النوّاب أو تقصير ولايته. هذا المطلب الذي أُدرج في الإصلاحات السياسية في المبادرة الفرنسية، عندما جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى لبنان واجتمع بالقادة السياسيين، في أول أيلول من العام الماضي، لإيجاد الحلول، لكنّه حذفه منها نظراً لتعذّر حصوله في المرحلة الراهنة. أمّا الهدف من تجديد بعض الأحزاب لمطلبها هذا، فهو قطع الطريق على تشكيل الحكومة الذي يسعى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي جاهداً لتسهيل ولادتها قبل منتصف حزيران الجاري، فضلاً عن امتصاص غضب الشعب اللبناني «المُفتقر» لتحقيق المكاسب السياسية وتغيير موازين القوى لصالحها.

وقالت مصادر سياسية: صحيح أنّ التغيير بات أمراً ضرورياً وملحّاً في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يعيشها لبنان، ولكن لو كان يُمكن أن يتحقّق عبر إنتخابات نيابية مُبكرة، لكانت المبادرة الفرنسية أصرّت على هذا البند، ولم تُلغه من الإصلاحات السياسية بعد الإطلاع على التفاصيل المتعلّقٌة به. وقد وجدت بأنّ الحلّ يُمكن أن يتمّ عن طريق تشكيل حكومة جديدة، تكون حكومة مهمّة إنقاذية تعمل على تحقيق الإصلاحات المطلوبة، ومن ثمّ تواكب هذه الأخيرة الإنتخابات في موعدها، حيث يقول الشعب كلمته الفصل من الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد في صناديق الإقتراع، فإذا أعادها يكون هو من قرّر ذلك، وإذا استبدلها بنوّاب مستقلّين يمثّلونه يكون قد حقّق التغيير الذي يُطالب به... ولكن تشكيل الحكومة لم يتحقّق حتى الآن رغم تكليف الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة منذ نحو 8 أشهر، لكي يتمّ الإنتقال الى الإستحقاق النيابي الذي يؤمل منه تغيير المعادلة القائمة.

وفيما يتعلّق بالإنتخابات النيابية المُبكرة، أوضحت المصادر نفسها أنّه لم يسبق أن حصلت في تاريخ لبنان، كما أنّ أي مجلس نيابي لم يحلّ نفسه منذ ولادة لبنان الكبير، بل على العكس تماماً فقد مدّد المجلس لنفسه مرّات عدّة بين عامي 72 و92 بفعل الحرب كونه الممثل الفعلي للشعب، كما في العام 2017 لمدّة سنة لأسباب تقنية. وشدّدت على أنّ مرسوم حلّ مجلس النوّاب، بحسب القانون، وتحديداً «اتفاق الطائف»، يحتاج الى موافقة أكثرية ثلثي مجلس الوزراء، وبما أنّ هذا الأخير مؤلّف من ممثّلي الكتل النيابية، فمن الصعب أن يقوم النوّاب بحلّ المجلس بأنفسهم. كما أنّ المجلس المنتخب من الشعب لمدة 4 سنوات، لا يُمكنه تقصير ولايته الا بقانون تتوافق عليه الأكثرية، وهذا شبه مستحيل، لأنّ عدد النوّاب المستعدّين للتخلّي عن مواقعهم قليل جدّاً، وقد بلغ حتى الآن 8 نوّاب قدّموا استقالتهم. ومن الممكن أن يُصبح المجلس «محلولاً» أي غير قادر على عقد الجلسات والإجتماعات ولا الدعوة الى أي جلسة يكتمل فيها النصاب القانوني، إذا استقال أكثر من نصف أعضائه (علماً بأنّ المجلس ينقص اليوم 10 نوّاب بفعل استقالة 8 ووفاة النائبين الياس المرّ وجان عبيد)، وحتى الآن كلّ الأحزاب التي تُهدّد بالاستقالات الجماعية لا يصل عدد نوّابها الى هذا العدد، ولا يقترب منه أيضاً.

وبرأي المصادر عينها، إنّ التلويح بالإستقالات الجماعية في كلّ مناسبة من قبل الأحزاب التي استقال نوّابها من البرلمان، أو التي أعلنت عدم مشاركتها في الحكومة الجديدة ، يهدف الى تعطيل عمل مجلس النوّاب. وبما أنّ الحكومة الحالية مستقيلة، وهي تقوم بتصريف الأعمال فقط، ففي حال «حُلّ المجلس» أو «سقط» بفعل استقالة أكثر من نصف أعضائه، وهذا الأمر صعب جدّاً ولن يحصل، فإنّ الحكومة أي السلطة التنفيذية تقوم عندها بالدعوة الى انتخابات نيابية جديدة. ولكن حتى هذا الأمر ليس مؤكّداً، إذ بإمكان الحكومة أن تقرّر عندها إجراء إنتخابات فرعية لملء فراغ النوّاب المستقيلين، وإن تجاوز عددهم النصف زائداً واحداً (مبدئياً 65 نائباً من أصل 128) وفي هذا الأمر الكثير من المغالاة، علماً بأنّها لم تقم بمثل هذه الإنتخابات رغم استقالة ثمانية من نوّاب المجلس الحالي.

ويبقى السؤال الأهمّ، وهو وفق أي قانون إنتخابي ستجري الإنتخابات المُبكرة أو في موعدها، تُجيب المصادر بأنّ أي إنتخابات مُبكرة لا يُمكن أن تجري الا وفق القانون الذي جرت إنتخابات العام 2018 على أساسه. أمّا فيما يتعلّق بمسألة إجراء الإنتخابات في موعدها أي بعد سنة من الآن، فيُمكن في حال تشكيل الحكومة قبل منتصف حزيران الجاري، وهو ما يسعى اليه برّي والقادة الروحيين المؤيّدين لتحرّكه، أن تتمّ مناقشة القانون الإنتخابي الأخير الذي اعتمد النسبية مقسّمة على 15 قضاء والصوت التفضيلي في كلّ منه، بهدف تعديله أو إضافة ما كان ينقصه من بطاقة إنتخابية ممغنطة وانتخاب المغتربين وما الى ذلك، رغم صعوبة حصول التعديل خلال هذه السنة الفاصلة عن الموعد الفعلي للإنتخابات النيابية.

أمّا الغاية من فتح باب الإنتخابات من قبل الأحزاب المعارضة، فهي كسب بعض المقاعد النيابية، تضيف المصادر، سيما وأنّ المجلس النيابي الجديد هو الذي سيُحدّد مسار الإستحقاق الرئاسي المقرّر في أواخر تشرين الأول من العام 2022.

غير أنّ التغيير الذي تبتغيه هذه الأحزاب في الطبقة السياسية الحاكمة قد لا يتحقّق لا في انتخابات نيابية مُبكرة، ولا إذا ما حصلت الإنتخابات في موعدها في أيّار من العام المقبل، على ما لفتت المصادر نفسها، لأنّ كلّ عناصر شراء أصوات الناخبين باتت اليوم متوافرة أكثر من السابق في ظلّ الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون اللبنانيون. فالجوع والفقر والبطالة كلّها أمور تتفاقم يوماً بعد يوم بسبب سياسيات التجويع والإفقار وعدم إيجاد فرص العمل لأبناء البلد، والأزمة الإقتصادية والمالية التي تفرض نفسها على الشعب اللبناني ولا تجد حكومة تصريف الأعمال أي حلول لها، ستؤدّي حتماً الى أن يُقرّر قسم كبير من الناخبين بيع أصواتهم مقابل سدّ جوع أولادهم.

وإذ بدأت الأحزاب السياسية تتحضّر للإنتخابات النيابية المقبلة، فإنّ المصادر عينها تخشى كثيراً من أن تستخدم «البطاقة التمويلية» لشراء أصوات الناخبين من قبل الكتل النيابية، سيما وأنّ المجلس النيابي هو الذي سيقوم بتشريع القانون المعجّل المعدّ من قبل رئاسة الحكومة الذي يرمي الى إقرار البطاقة التمويلية. علماً بأنّ الهدف الأساسي من هذه البطاقة التي هي كناية عن مبلغ 137 دولاراً نقداً لكلّ أسرة من 4 أفراد (والذي قد يقلّ أو يرتفع بحسب أفراد العائلة)، والتي من المقرّر أن تستفيد منها 750 عائلة، هو التخفيف من وطأة رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية. وأشارت المصادر الى أنّ تمويل هذه البطاقة من الإحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان، الذي يعني استخدام أموال المودعين التي ما تزال محتجزة في المصارف ويمنع عليهم سحبها بالدولار الأميركي، سيخلق مشكلة جديدة لدى المودعين الذين بغالبيتهم من الطبقة المتوسطة التي ستتحوّل تدريجاً بعد رفع الدعم الى طبقة فقيرة...

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يُعقل ألا تلعب «الواسطة» والإستنسابية والمحسوبيات دوراً في اختيار هذه العائلات الأكثر فقراً، والا تستخدم الأحزاب هذه البطاقة مقابل الحصول على أصوات مناصريها ومحازبيها، بدلاً من المئة دولار أو أكثر التي كانت تدفعها ثمناً لشراء الصوت الواحد؟! علماً بأنّ الإنتخابات الأخيرة (في العام 2018) التي كانت الأولى من نوعها منذ انتخابات العام 2009، قد شهدت اقتراع ما نسبته 49.68 % فقط من الناخبين اللبنانيين، أي انتخاب 1.861.203 ناخباً من أصل 3.746.483 مدرجين على لوائح الشطب. فهل سترتفع هذه النسبة في الإنتخابات المقبلة، أكانت مُبكرة أم في موعدها، بعد ثورة 17 تشرين ومطالبة الشعب بتغيير السلطة الحاكمة، أم ستنخفض لفقدان الثقة بها، وعدم توافر البديل لها من ضمن الجماعات المنتفضة والمعارضة؟!