في ظل الخشية المتعاظمة عن تسارع وتيرة الإنهيارات على كل المستويات، تؤكد أوساط كنسية رفيعة، أن الكنيسة المارونية مستنفرة من أجل القيام بواجبها الوطني، وهي قد قامت بتحرّك وفق هذا الأمر باتجاه المساعدة في تأمين المناخات الإيجابية لتشكيل حكومة جديدة، وذلك، إيماناً منها، بلبنان، وبالدولة اللبنانية، وبضرورة الحفاظ على الإستقرار على الساحة الداخلية. لكن الأوساط نفسها، أكدت أن الكنيسة لا تستطيع أن تفرض على الآخرين قواعد عمل سياسية إذا كانوا هم أنفسهم ليسوا في وارد اعتناقها واتباعها والعمل بموجبها، فالكنيسة حاولت وجهدت وتوسّطت، وانتقل سيدها حاملاً عصاه وعقوده الثمانية من بكركي إلى بعبدا، وصرف الوقت من أجل تشكيل الحكومة العتيدة، لأنه يعتبر بشكل واضح، أن فرملة الإنهيار لن تتحقّق إلا عبر التأليف، ولأنه يعتبر أن تأليف الحكومة هو المعبر الإلزامي من أجل التحضير للإنتخابات النيابية المقبلة، وأن الحكومة هي المعبر من أجل تحقيق الإصلاحات.

وبالتالي، تابعت الأوساط الكنسية ذاتها، سعى البطريرك بشارة الراعي جاهداً في هذا الإتجاه، ولكن لا حياة لمن تنادي، وبقيت الأبواب موصدة، وكأن الخلاف مستحكم بين دولتين مختلفتين وليس بين رئيسين يفترض أن تكون العلاقة بينهما طبيعية لبناء المؤسّسات وتدعيم الدولة ووقف الإنهيار.

وتستغرب المصادر الكنسية، ما آلت إليه الأمور في البلد، ومن دون الوصول إلى أية حلول، وذلك، في الوقت الذي يتواصل فيه الإنهيار، والذي يستدعي وضع الخلافات جانباً من أجل حماية الناس من الفقر والجوع والمرض والكوارث. وفي هذا الوقت بالذات، ترى الأوساط عينها، أن المسؤولين يضعون في المرتبة الأولى خلافاتهم وصراعاتهم ونفوذهم، وذلك، على حساب مصلحة البلد ومصالح المواطنين. وكذلك، أعربت عن أسفها لما وصلت إليه الحال على كل المستويات، معلنة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية من دون استثناء، ومؤكدة أن همّ الكنيسة هو همّ الناس والدولة والمواطن، وهي لن تدخل في زواريب الخلافات السياسية القائمة، وهدفها الدائم هو العبور إلى السلام والعبور إلى الإستقرار وإلى الدولة السيدة والحرة، ولهذا السبب، فهي تتعاطى مع الملفات ببعدين:

ـ الأول آني وزمني، يتعلّق بتشكيل الحكومة، لأنه في حال لم تتشكّل هذه الحكومة، فإن الأمور من الممكن أن تتدحرج بشكل سريع نحو الأسوأ، أي إلى وضع أسوأ مما هو عليه الوضع اليوم.

ـ والبعد الثاني، يتعلّق بالحكومة وباستراتيجية الحياد والمؤتمر الدولي، وقد كرّر البطريرك الراعي دعوته إلى المؤتمر الدولي حفاظاً على الدستور وعلى الميثاق، لأنه لا يمكن إنقاذ لبنان السيادة والدولة، إلا من خلال مؤتمر من هذا النوع.

وتوضح الأوساط الكنسية نفسها، أن البطريرك الراعي يميّز ما بين البعد الإستراتيجي سعياً لمؤتمر دولي تُطرح فيه المسألة اللبنانية تطبيقاً للقرارات الدولية، وإنفاذاً للدستور، والبعد التكتي الذي يستدعي، وفي هذا الظرف بالذات، تشكيل الحكومة سريعاً لوقف الإنهيار، ومنع انزلاق لبنان نحو الفوضى، وبالتالي، تؤكد الأوساط الكنسية، أن الكنيسة في لبنان لن تيأس، والبطريرك الراعي لن ييأس، وبكركي ستواصل مساعيها لأنها وُجدت من أجل لبنان، وهي ستواصل العمل الدؤوب من أجل حفظ الدولة في لبنان، وإذا كانت قد فشلت في وساطات ومبادرات، فإن هذا لن يدفع الكنيسة إلى اليأس، بل هي ستبقى إلى جانب الناس والمواطنين على مختلف مشاربهم، وتشدّ على أياديهم من أجل تجاوز هذه المرحلة المصيرية، منعاً للهجرة ومن أجل العمل على بقاء الناس في أرضهم، مكرّرة بأنها ستواصل مساعيها في كل الإتجاهات، ولن تيأس مهما حصل.