أي مجلس نيابي جديد لن يضمّ وجوهاً مستقلّة ما لم يستبدل الشعب الحزبيين


لم يعد أمام بعض الأحزاب اللبنانية «المستعجلة» و»المستنفرة» سوى التلويح بالإستقالات الجماعية من المجلس النيابي لتقصير ولايته وإجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، رغم صعوبة حصولها، وعدم جدوى ذلك ونحن على قاب 11 شهراً من موعدها الطبيعي في أيار من العام 2022. فالإنتخابات النيابية المُبكرة تعني ترك الأزمات المتفاقمة في البلد، والبدء بالتحضير لهذه الإنتخابات منذ الآن، على أن تُجرى بعد نحو 6 أشهر أي في كانون الأول المقبل تكون كافية للتحضير لها. غير أنّ كلّ من هذه الأحزاب ينتظر اليوم الأحزاب الأخرى للقيام بمثل هذه الخطوة في ظلّ تعثّر ولادة الحكومة رغم كلّ المساعي التي تُبذل لتشكيلها من قبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وتضامن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي مع مبادرته.

ف»القوّات اللبنانية»، تنتظر «التيّار الوطني الحرّ»، و»تيّار المستقبل» ينتظرهما معاً، والجميع يقول بأنّها «البديل» الوحيد عن تشكيل الحكومة الجديدة.فيما لا يرى الثنائي الشيعي بأنّ هناك حاجة اليوم لإجراء الإنتخابات النيابية المُبكرة، إنّما لتشكيل حكومة تعمل على معالجة الأزمات المتفاقمة وتُحقّق الإصلاحات المطلوبة.

غير أنّ مصادر سياسية عليمة أكّدت بأنّ الأحزاب تتحدّث اليوم عن الإنتخابات النيابية المُبكرة، لكي تُظهر للرأي العام أنّها لا تخشى من نتائجها، رغم علمها بأنّ المزاج الشعبي قد تبدّل منذ «انتفاضة 17 تشرين» من العام 2019 وما تلاها من أزمات إقتصادية ومالية ومعيشية تنعكس سلباً على حياته اليومية.. أمّا الوضع السيىء الذي وصل اليه الشعب اللبناني اليوم والذي لم يشهده سابقاً على مرّ التاريخ،فقد يجعله ربما يمتنع عن الإدلاء بصوته في أي إنتخابات نيابية مُبكرة أو في موعدها بنسبة كبيرة، الأمر الذي سيُخفّض من أصوات الناخبين في صناديق الإقتراع. ولكن رغم ذلك يفوز في الإنتخابات كلّ من ينال غالبية الأصوات المقترعة، مهما بلغ حجمها ولو بنسبة 20% أو أقلّ في قضاء معيّن. ولعلّ هذا ما يُطمئن الأحزاب إذ لا يُمكن إلغاء وجودها ما لم يُصوّت الشعب لنوّاب مستقلّين بديلين عن الحاليين الحزبيين وبنسبٍ مرتفعة.

وإذ يُحاول كلّ حزب استبعاد نفسه من منظومة «كلّن يعني كلّن» التي يُطالب الشعب بإسقاطها واستبدالها بسياسيين مستقلّين، أكان في الحكومة أو في مجلس النوّاب، على ما أشارت المصادر، يسعى الى الوقوف الى جانب الشعب من خلال تأمين بعض الإحتياجات الضرورية باسمه أو عن طريقه للإبقاء على عدد أصوات مناصريه ومحازبيه على حاله قدر الإمكان. في حين أنّ البطاقة التمويلية (أو التموينية) التي تسعى الدولة لإقرارها بمبلغ 137 دولارا شهرياً لكلّ عائلة من 4 أفراد أي ما يُعادل 1644 دولاراً سنوياً(وقد يزيد أو ينقص نحو 26 دولاراً مع زيادة أو نقصان عدد أفراد العائلة الواحدة، على ألا يتعدّى المبلغ الـ 189 دولاراً شهريّاً)، وتشمل نحو 750 ألف أسرة أو أكثر، بحسب ما يجري التداول به، فالهدف منها هو إعادة أموال المودعين المحجوزة بالدولار الأميركي لهم، على دُفعات، و»تربيحهم الجميلي» بالتالي بأنّ الدولة تقف في صفّهم في وجه الأزمة الإقتصادية والغلاء الفاحش للأسعار. فهذه البطاقة، هي في الحقيقة بطاقة دعم تمويلي للمواطن اللبناني ناتجة عن رفع الدولة الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية التي يحتاجها يومياً، وليست ناجمة عن شعور الدولة بمعاناته بسبب سياستها التي أدّت الى تفقيره وتجويعه والى ارتفاع نسبة البطالة.

في الوقت نفسه، إنّ البطاقة التمويلية، تكلّف الدولة، بحسب المقترحات، نحو مليار و233 مليون دولار سنوياً، في حين أنّ الدعم السنوي الإجمالي للمحروقات والسلع الأساسية كان يُكبّدها5 مليارات و40 مليون دولار، ويستفيد منه بالتالي كلّ الأجانب الذين يُقيمون على الأراضي اللبنانية ويهرّبون السلع الى الخارج، باستثناء اللبنانيين أنفسهم. فيما ينحصر التمويل ضمن البطاقة التمويلية بالشعب اللبناني فقط، على أنّه دعم مالي شهري يُدفع للعائلات الأكثر فقراً، وفي ذلك أيضاً محاولة لشراء أصوات الناخبين في صناديق الإقتراع، في حال جرى إقرار هذه البطاقة، وصدقت الدولة بوعودها. كما توفّر هذه البطاقة على الدولة أو على المصرف المركزي الذي سيموّلها من الإحتياطي نحو 3 مليارات و844 مليون دولار سنويّاً من الدعم السنوي، وفي هذا خطوة إيجابية لصالح الدولة أيضاً وليس لصالح الشعب.

وبالعودة الى الأحزاب السياسية، تقول المصادر نفسها، بأنّ أي منها لن يجرؤ على الإستقالة من المجلس النيابي، كون أي منها لا يضمن عودته بالحجم نفسه في المجلس النيابي الجديد، حتى «القوّات اللبنانية» التي تُحاول بشتّى الوسائل استمالة الشعب وإظهار أنّها خارج شعار «كلّن يعني كلّن»، فهي قد لا تستطيع من زيادة عدد نوّابها الـ 15، سيما وأنّ بعضهم دخلوا المجلس النيابي بفضل الصوت السنّي. أمّا هذا الصوت فسيصبّ في أي إنتخابات تحصل لصالح «تيّار المردة»، كون علاقته مع «تيّار المستقبل» أصبحت أفضل حالاً بكثير من العلاقة بين «المستقبل» و»القوّات».

كذلك فإنّ «التيّار الوطني الحرّ» الذي يضمّ حالياً أكبر كتلة نيابية مسيحية (29 نائباً) لن يفرّط بها بسهولة من دون أن يضمن مقاعده النيابية نفسها، تضيف المصادر،ولن يرضى بالتالي أن يتراجع الى الوراء ويصبح الكتلة رقم 2 أو 3 مسيحياً، رغم ترويج نوّابه أنّه في حال حصول الإنتخابات غداً، فإنّه سيعود بحجم أكبر من الذي هو عليه اليوم بسبب وقوف الصوت الشيعي الى جانبه في كلّ من زحلة وبعبدا وجزّين وبيروت الأولى، ولن يتعرّض للخسارة، على ما يُراهن خصومه بأنّه قد لا يحصل على أكثر من 20 نائباً، بسبب استقالة النائبين نعمة افرام وشامل روكز اللذين لم يعودا محسوبين على «التيّار» ولديهما حيثية شعبية مستقلّة.أمّا «الكتائب اللبنانية» التي تعتقد أنّها باستقالة نوّابها قد جعلت الشعب يتعاطف معها أكثر، فستكتشف في صناديق الإقتراع أنّها لن تتمّكن من زيادة حجم كتلتها النيابية، بل ستعمل للحفاظ على مقاعدها.

في حين أنّ «تيار المستقبل» (الذي يضمّ 17 نائباً) في حال استفاد من بعض تحالفاته الجديدة فقد يُحسّن وضعه قليلاً، بحسب المصادر، وبطبيعة الحال سيظلّ «الممثّل الأول» للطائفة السنيّة من دون منازع، وإن استعاد بعض النوّاب السنّة الآخرين مقاعدهم. لكنّه يحتاج الى تغيير بعض النوّاب بآخرين أكثر فاعلية وقرباً من الشعب لكي يبقى في مكانه. يبقى الثنائي الشيعي الذي هو متأكّد من استعادة مقاعده، ولكن رغم ذلك لا يؤيّد حصول إنتخابات نيابية مُبكرة في المرحلة الراهنة لأنّ الإستقالة ستكون موجّهة ضدّ السلطة التشريعية التي يرأسها برّي وهو من الطائفة الشيعية، ولهذا يحرصان على عدم إحداث أي تغيير فيما يتعلّق بشرعيتها كمؤسسة وطنية، ويُفضّلان أن تجري الإنتخابات في موعدها. أمّا الحزب التقدّمي الإشتراكي فلا يُقدم رئيسه وليد جنبلاط، و»المستقبل» كذلك، على خطوة من قبيل الإستقالة الجماعية من المجلس النيابي من دون وضع الرئيس برّي في الصورة أولاً.

وبحسب حسابات الأحزاب السياسية والكتل النيابية، على ما أوضحت المصادر، فإنّ المجلس النيابي الحالي إذا ما جرى التمديد له، أو المجلس الجديد الذي سينتخب جرّاء إنتخابات مُبكرة أو في موعدها، هو الذي سينتخب بالتالي رئيس الجمهورية المقبل.. لهذا لا يُمكنها التفريط بمقاعدها الحالية فيه، من دون أن تضمن أي شيء في المجلس العتيد. من هنا، تُرجّح المصادر عينها، عدم حصول إنتخابات نيابية مُبكرة، ولا إنتخابات نيابية في موعدها، رغم التفاؤل الذي تُبديه في بعض وسائل الإعلام عن أنّها لا تخشى من نتائج الإنتخابات، بل أنّها ستأتي لصالحها.علماً بأنّ الأحزاب المستعجلة لإجراء الإنتخابات المُبكرة، لا سيما منها «القوّات اللبنانية» و»الكتائب اللبنانية» و»التيّار الوطني الحرّ» قد بدأت ماكيناتها الإنتخابية تعمل لا سيما في دول الخارج لتحسين وضعها الإنتخابي قدر الإمكان.

وختمت المصادر بأنّ البحث في تفاصيل الإنتخابات يجري حالياً قبل معرفة وفق أي قانون إنتخابي ستجري، وهذا يدلّ على أنّ الحسابات تحصل وفق القانون الحالي.. أمّا الأحزاب التي تستعجل حصول الإنتخابات قبل موعدها، فلكي لا يتسنّى لمعارضي القانون الحالي والداعين الى تعديله، تغيير أي بند فيه، سيما وأنّها حازت على حجم كبير في المجلس النيابي الحالي بفضل هذا القانون، وليس من مصلحتها تعديله أو وضع قانون إنتخابي جديد لا تعلم ما الذي ستكون عليه نتائجها لدى تطبيقه للمرة الأولى..