يمكن لك ان تمحو ذاكرتك، تغير اسمك دينك مذهبك، تنتقل للعيش في وطن آخر يعطيك جنسيته،

يمكن لك ان تقرر الانتماء، انك فقط انسان ،ابن هذا العالم المترامي، ولا يهمك لا التاريخ ولا الهوية ولا اللغة المقدسة ولا المجازر ولا عظام اجداد.

يمكن لك ان تستقيل من عبء الظلم والقهر والتطهير والتشريد والاقتلاع والصور الجارحة المعلقة على حيطان البيوت.

يمكن ان تجادل ماذا يعني ان نحمل ارثا من السيوف لاكثر من مئة عام، ولماذا ؟ لا تركيا ستعترف، لا ارض ستعود، الضيع مهجورة، الكنائس حجارة، والجيل الثالث انصهر واندمج في بلدان الشرق والغرب.

 او يمكن ان تتذكر مع الارمن واليونان في ٢٤ نيسان، او وحدك في ١٥ حزيران، انك سليل المذبوحين، المضطهدين، المهجرين، لكن ماذا بعد ؟ والى متى ؟ 

تتساءل، في ازمنة الوباء والخوف والقلق، اذا كان بعد لهذه القضية افق ما ؟ كيف يمكن كسر التقليد والروتين ؟ بيانات مؤتمرات صلوات كتب مذكرات مهرجانات افلام وثائقيات، ثم ماذا ؟ ننتظر تأييدا او اعترافا من مجلس ما، من سياسي ما، يدغدغ به مشاعرنا ؟ 

التاريخ للاقوياء، العنق الذي ينتصر على السيف رواية، الايمان الذي ينقل جبلا اسطورة، المشرق الحر المتعدد المتنوع خرافة.

هل تعبنا من نضال ؟ هل استسلمنا ؟ 

بكل الاحوال انا ادعو الى ثورة على ذاتنا، الى تفكير من خارج كل الاطر والتسميات والتنظيمات، يبدأ اما حتى من دفن رسمي للقضية، او الى طرح مغاير متجدد، الى نهضة ما في عقولنا وادائنا.

قد يكون هذا الكلام، وفي هذا الوقت بالذات، ومني انا بالذات الذي وهبت عمري لشعبي وقضاياه، ولمسألة المسيحية المشرقية وحقها بالحرية والعدالة والمواطنة والمساواة، تراجعا عن ثوابت او صور نمطية او تابوات، لكنه وجع حقيقي اطرحه على شعبنا والكنيسة باحبارها وعلى احزابنا والمؤسسات، انه تحد فكري حضاري ثقافي.

كنت اتطلع الى وجه جدي في صورة له في حديقة منزله في بيروت، بعد ربع قرن على سيفو، كانت ما زالت جراح المذابح في عينيه، لكني احدق في وجه ابني بعد اكثر من مئة عام مفتشا عبثا عن قضية اورثها له ؟ 

بعد كل هذا العمر، كيف يمكن لهذه القضية الا تموت ؟ الا تكون فقط بكاءا على اطلال ؟ 

هل هزمنا ؟ ام ان الشرق كله قد سقط في الجحيم ؟ 

هل فقدنا الروح والنبض ؟ من كثافة الدم والقهر من طورعابدين الى سيميل الى نينوى الى الخابور،

ام من رجاء ضاع في لعنة وطن كان اسمه لبنان ؟ 

*كلمة في الندوة الافتراضية التي اقامتها الرابطة السريانية في الذكرى ١٠٦ على مجازر سيفو بعنوان “ الى متى نتذكر سيفو ؟ وماذا نريد ؟ “