الضغط الأميركي- الفرنسي- السعودي بدأ.. وعلى المسؤولين التجاوب معه

تنشط الحركة الديبلوماسية في بعض دول الخارج لفكّ العزلة عن لبنان بعد وصول الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية فيه الى حدّ الإنهيار الشامل، وارتفاع منسوب الخشية على زوال كيانه. وترافق ذلك مع دعوة رئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب في كلمته الثلاثاء في السراي الحكومي أمام عدد من السفراء ورؤساء البعثات الديبلوماسية وممثلي المنظمات الدولية في لبنان، دول العالم الى المساعدة في إنقاذ اللبنانيين من الموت ومنع زوال البلاد، ولعدم محاسبة الشعب اللبناني على انتهاكات الفاسدين، وعدم ربط مساعدة لبنان بتشكيل الحكومة. كما حذّر دياب من أنّ «لبنان واللبنانيين على شفير الكارثة... وعندما يحصل الارتطام الكبير، سيتردّد صدى تداعياته خارج جغرافيا لبنان إلى المدى القريب والبعيد، في البرّ والبحر. ولن يستطيع أحد عزل نفسه عن خطر انهيار لبنان».

أوساط ديبلوماسية مراقبة تحدّثت عن أنّ الاجتماع الثلاثي الأميركي- الفرنسي- السعودي الذي عُقد منذ أيام على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة الـ 20 في مدينة ماتيرا في إيطاليا، بين وزراء الخارجية الأميركية انتوني بلينكن، والفرنسية جان- إيف لودريان، والسعودية الأمير فيصل بن فرحان حول انهيار الوضع في لبنان، إنّما هدف الى الضغط على المسؤولين اللبنانيين، ولا سيما المعطّلين منهم، لتسريع تشكيل الحكومة سيما أنّ بقاء الوضع على ما هو عليه سيحرم لبنان من مساعدات صندوق النقد الدولي والدول المانحة. وأكّدت أنّ الوزيرين بلينكن ولودريان حاولا إعادة السعودية الى الاهتمام بالملف اللبناني، لهذا تمّت دعوة وزير خارجيتها الى هذا الاجتماع، وذلك بهدف إيجاد صيغة مشتركة ترضى عنها بلاده في ما يتعلّق بالأزمة السياسية اللبنانية.

وجاءت هذه المحاولة بعد أن نفضت السعودية يدها من الوضع في لبنان، واتخذت في أواخر نيسان الفائت قرار منع دخول الخضراوات والفواكه اللبنانية الى الأراضي السعودية أو عبرها، على خلفية شحنة الرمّان الآتية من سوريا والتي تضمّنت تهريب حبوب مخدّرة. ومن ثمّ تضامنت مع خطوتها هذه بعض الدول العربية. فيما نشهد اليوم وبعد حصول هذا اللقاء ومشاركة السعودية فيه تحرّكاً عربياً في اتجاه لبنان من قبل قطر والكويت ومصر، ما يدلّ على أنّ المساعي العربية تأتي نتيجة لهذا الاجتماع وبداية لفكّ الحصار عن لبنان كونها تؤيّد ما نتج من الاجتماع الثلاثي.

وتقول الأوساط عينها إنّ الاجتماع الثلاثي الذي صدر عنه بيان تحدّث عن أنّ الوقت الآن هو لإنقاذ لبنان وعدم تركه يتفكّك وتزول مؤسساته وشعبه يُعاني من الفقر والجوع والبطالة، فضلاً عن كلمة البابا فرنسيس الختامية التي أعلنها في الصلاة المسكونية في اختتام «يوم التأمّل والصلاة من أجل لبنان»، ووجّه خلالها رسائل عديدة للمجتمع الدولي كما للمسؤولين في الداخل والخارج لمساعدة لبنان والشعب اللبناني وإنقاذه من الغرق، قد حرّكا الوضع السياسي الجامد على الساحة الداخلية، وحلحل العزلة التي فُرضت على لبنان منذ أكثر من سنة من قبل الدول العربية الخليجية، على أمل أن تؤدّي الى التشجيع على تشكيل الحكومة سريعاً... فهذا الأمر أصبح أكثر من ملحّ، ولهذا تأمل أن تتظهّر الصورة السياسية أكثر خلال الأيام المقبلة.

فالولايات المتحدة وفرنسا والسعودية أعلنت أنّها تريد حكومة جديدة تقوم ببعض الإصلاحات الضرورية لإنقاذ الاقتصاد، وتُواكب الانتخابات النيابية المقبلة على أن تجري في موعدها. كما أشار الاجتماع الثلاثي الى وضع آلية لإصلاح النظام السياسي في لبنان على المدى الطويل، على ما أشارت الأوساط عينها، ما يعني عقد «مؤتمر تأسيسي» يعمل على تغيير النظام أو تحديثه بما يتناسب مع الجمهورية الثالثة التي آن الأوان لكي تبدأ في لبنان. و»الجمهورية الثالثة» تعني إعادة النظر بالدستور الحالي أي باتفاق الطائف، ولهذا يجد رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري أنّ من مصلحته الاستمرار في السلطة لأنّه لا يُمكن أن يكون مؤثّراً في الحياة السياسية إلا إذا كان رئيساً للحكومة خلال تحديث النظام الذي لا بدّ وأن يحصل في نهاية العهد.

ومنذ الآن، وحتى انتهاء العهد الحالي، لا بدّ من تشكيل حكومة «إنتقالية» تقوم بإنقاذ ما يُمكن إنقاذه على الصعيد الإقتصادي والمالي والاجتماعي وتُجري الانتخابات لكي يتمكّن الشعب من اختيار ممثليه الفعليين الذين عليهم إحداث التغيير المطلوب في النظام. غير أنّ المسؤولين المعنيين، على ما عقّبت، ما زالوا متعلّقين بمكاسبهم الشخصية لهذا يتعثّر التشكيل رغم مبادرة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، والتحرّك الديبلوماسي الخارجي باتجاه لبنان.

وذكرت أنّ توافق كلّ من وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية على تسهيل تشكيل الحكومة المنتظرة للقيام بأمرين: الإصلاحات الضرورية للإنقاذ وإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، لم يلحظ وجود الحريري على رأسها، بسبب عدم الرضى السعودي بعد على ترؤسه الحكومة الجديدة. في الوقت الذي تؤيّد فيه كلّ من واشنطن وباريس تشكيل الحريري للحكومة، غير أنّه لا مانع لديهما في حال قرّر الاعتذار وتسمية شخصيّة سنيّة أخرى للتأليف.

وإذ أكّدت هذه الدول أنّ المصلحة الدولية المشتركة في تحقيق الاستقرار في لبنان جعلتها تتحرّك وتضغط لتسهيل تشكيل الحكومة، غير أنّها لا تزال بحاجة الى تجاوب المسؤولين اللبنانيين وتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها لتوفير الإغاثة التي يحتاج اليها الشعب اللبناني بشدّة. علماً بأنّ الشعب لم يعد قادراً على انتظار ولادة الحكومة وهو يئن من مشاكله الحياتية اليومية ومن الغلاء الفاحش للمحروقات والسلع الغذائية ومن التقنين الكهربائي، ودفع فاتورة الموتور المرتفعة، على ما أوضحت، فيما لا يقوم المسؤولون بإيجاد حلول جذرية لمشاكله، بل يتلهّون بسجالاتهم التي تهدف الى تحقيق مصالحهم الخاصة. ولهذا فإنّ التجاوب المنتظر منهم لا يُمكن أن يحصل إلا من خلال تكثيف الاتصالات الداخلية والخارجية وحصول اللقاءات بين المسؤولين المعنيين بتشكيل الحكومة.

وترى الأوساط نفسها أنّ قطار التسوية الأميركية- الفرنسية- السعودية، بدأ يشقّ طريقه في لبنان من جهة في ظلّ انتظار التقارب السعودي- الإيراني، كذلك الدخول الروسي الاستراتيجي عبر المرافىء والمصافي من جهة ثانية...، فهل تتوافق أميركا وروسيا أخيراً ما يجعل الأمور تتحسّن وتستقرّ في لبنان، أم تختلفان على الأدوار في لبنان والمنطقة، فتحصل خضّة في لبنان ويدخل البلد مجدّداً في فوضى عارمة غير محسوبة النتائج؟!