قلت له حدثني عنكم هات ما تختزن من تاريخ تعرفه، اخبرني عنكم اكثر من انتم؟ افتح لي الماضي واغنني من خبراتكم. ما هو سبب انتشاركم؟ واين تنتشرون؟ قلت له حدّثني عن نجاحاتكم عن عذاباتك عن انجازاتكم، ماذا قدّمتم للغربة؟ وبماذا اوفيتم لبنان؟ ما هو تأثيركم السياسي والاقتصادي والاجتماعي على بلادكم الجديدة؟ ما هو دوركم في بناء لبنان؟ هل انتم مستعدون لإنشاء لوبي لبناني؟ قال لي تروّ قليلا يا صديقي لا احد يقدر ان يختصر مسيرة اجيال من المنتشرين في مقال او تحقيق او حتى في كتاب! قلت له لا أبغي الاّ ان اكتب عن نقطة غيث من انهاركم الخيّرة وعن حفنة عذاب من عذاباتكم، وعن سطر من حكاياتكم الغنية، وعن عرق جباهكم السمراء، وعن نقطة دم سالت من اياديكم، وعن ومضة من ومضاتكم في العمل والازدهار وصنع التاريخ! لا اريد ان اختزلكم في مقال جريدة في تاريخ معيّن ولا اريد ان اختصر مسيرة طويلة من الانتشار في بضعة اسطر بل اريد ان اكون شاهدا لكم ولو لمرة واحدة عما سمعت عنكم وعن انجازاتكم وعن سفركم وتعبكم وحبكم لنا وللوطن! اريد ان اشكر اجدادي علنا عبركم، فهم ضحّوا بشبابهم في الغربة لكي نتنعّم نحن بما جنوا من ممتلكات وعقارات واراض. اجدادي هم مثال صغير عنكم، عن تضحياتكم في بلاد الغربة. هم نموذج عن شعب غادر وطنه طلبا للأمان الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي والمالي وهروبا من الظلم والحروب والذلّ. وها هو التاريخ يعيد نفسه - اجدادي سلكوا في ظلام ليل الغربة سنين طويلة وعانوا السفر وتعبوا واشتاقوا وضحّوا لكي ينجزوا ما قد انجزوه ويحصلوا على ما قد حصلوا عليه. ردّ عليّ وقال لي بافتخار كبير «نحن لبنان نحن وجه لبنان الحقيقي. نحن اجيال الكفاح والعمل بجهد نحن اهل الزمان الماضي والحاضر"! واضاف «هذا اللبنان هو نحن وهذا يعني انه لا حدود جغرافية ثابتة للبنان فهو موجود اينما وجدنا نحن في الشرق او الغرب وفي اي موضع كنا فيه عمالا او مسؤولين او في ايّ مجال عملنا». اردف ورأسه مرفوع وكأنه عراب كل المنتشرين اللبنانيين في العالم والدمعة في عينيه وقال: «الانتشار لم ينسَ لبنان لكن الدولة اللبنانية نسيت ابناءها». واضاف «مهما كانت الغربة قاسية ومهما كان الشعور بالبعد صعبا ومهما كانت الدولة مستهترة وغير مكترثة لنا نحن اولاد اصل لم ولن ننكر يوما جذورنا ولم ننس ماضينا وماضي اهلنا واجدادنا نحن كالارزة الخالدة جذورنا في تراب لبنان واغصاننا وارفة الظلال حول العالم». اكمل حديثه مثنيا على كل منتشر لبناني وقال: «نحن جيش لبنان الاقتصادي والفكري والعلمي، نحن غزونا العالم في كافة المجالات الطبية والهندسية والمالية والصناعية والثقافية. نحن قوّة لبنانية هائلة، نحن طاقة لا تنضب استفاد منها العالم بأسره، لكن وللاسف لم تحسن دولتنا التعامل معها ولم تحثنا على تجييرها لخير الوطن الأم ولأهلنا». هنا اغرورقت عيناه وزاد قائلا": «نحن لم نقصّر تجاه وطننا بشيء قلوبنا وعقولنا وعواطفنا واحاسيسنا كانت وما تزال هناك، حتى جنى اعمارنا ارسلناها الى لبنان وانتم لم تحافظوا عليها». اضاف قائلا: «ان الاعداء يخافون من وشوشة الانتشار اللبناني اكثر من باقي الدول المجاورة، نحن اقوياء اذا اجتمعنا وكانت لنا رؤية موحدة لبناء وتقدم هذا البلد، لكن للأسف السياسة والدين دخلا وافسدا كل شيء هذا ليس لأن السياسة والدين هما سيئان، بل لان نظامنا في لبنان مبني على المحاصصة والتبعية بعيدا عن القيم الإنسانية والقانون والمواطنة الصحيحة والفاعلة». دورنا كان وما زال فاعلا في المحافل الدولية وخصوصا في المجال الحقوقي والفكري والأدبي والإبداعي بشكل عام. نحن السلاح الفكري للبنان نحن خير ممثل للإرث الثقافي اللبناني ان كان في الأدب والفن عموما. كذلك نحن الحصن المنيع للإقتصاد اللبناني، فقد عملنا على تعزيز قوة لبنان وحضوره في كافة المجالات، فاللبناني متميز ومتألق وتكاد ان تراه في اكبر شركات العالم، فاللبنانيون المنتشرون انخرطوا ايضا في العمل السياسي من بابه العريض وهذا - مرض جيني - لكن هذه المرة ضمن انظمة متقدمة ودول استطاعت ان تمنح الفرص لهم دون حدود وهم بدورهم استطاعوا من خلالها تحقيق الذات وردّ الجميل لهذه الدول فكانوا الخميرة الصالحة لبناء وعمران هذه البلاد المضيفة فكانوا اوفياء لها ومثالا يحتذى به على كافة المستويات، فمرة قال رئيس المكسيك في خطاب له «اللي ما عندو صديق لبناني، يفتش عليه» وقال يوسف السودا في حديث له، ان لبنان قائم بجناحيه المقيم والمغترب ومن خلال المؤسسات القائمة كـال MEA والجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، لما لهذه الاخيرة من دور مهم في ترسيخ القيم اللبنانية في المجتمعات في الخارج ونشر ثقافة وعادات مجتمعنا المحلي هناك». اخيرا ماذا عساي اقول عن قوم ذهبوا فقراء لا ثياب لهم ، لا مال معهم لكنهم كانوا متسلحين بالايمان والصدق والعمل الدؤوب فاجتهدوا وعملوا بجد وكد وطوروا ذواتهم ومجتمعاتهم وكان لهم الصيت الحسن. فلبناننا المتخبط دائما بمشاكله البنيوية ليس له مناص من استقطابهم مع كل طاقاتهم وخبراتهم ونجاحاتهم، فلا بد ممن اعادة قراءة لمستقبل هذا البلد من منظار ابنائه الموجودين في الخارج فهم الاوفياء له دائما وابدا. فلنعمل معا على وحدة الرؤية المستقبلية لهذا البلد بين جناحيه المقيم والمغترب ولتكن لنا خطة عصرية واضحة قابلة للتنفيذ في القريب العاجل. هذا فيض من غيض، وهو تمهيد لمقالات اخرى لاحقة نحدد فيها ان شاء الله الخطوات العملية التي يجب على الدولة اللبنانية اتخاذها لتفعيل دورها مع المنتشرين وكيفية الاستفادة من هذه الطاقة الاغترابية بطريقة فعالة ومستدامة. كليّ أمل اننا اذا اتحدنا سنصل الى برّ الامان وان الانتشار اللبناني هو بالقول والفعل ذهب لبنان الغالي. في النهاية اسأل هل ننجح في انشاء لوبي لبناني؟ ايلي يوسف العاقوري