بعدما فاجأ المحقق العدلي القاضي طارق بيطار السياسيين المعنيين الذين اجتمعوا في عين التينة طالبين تزويدهم بمستندات اضافية متعلقة بالنواب المدعى عليهم بجريمة انفجار مرفأ بيروت غازي زعيتر وعلي حسن خليل ونهاد المشنوق تمهيدا لرفع تقريرها برفع الحصانة عنهم او الامتناع عن ذلك الى الهيئة العامة لمجلس النواب، برفضه النزول عند «الطلبات السياسية» فرده جوابا واضحا برفض اعطاء اي مستندات، باعتبار ان ما كان ارسله «واضح وضوح الشمس وكافي ووافي»، كما تقول مصادر مطلعة، وتتوجه الانظار الى الخطوة المتوقعة ان تلجأ اليها اللجنة المشتركة او النواب انفسهم.

مصادر نيابية بارزة مطلعة على الملف وعلى جو الرئيس نبيه بري علقت: « قد يكون القاضي بيطار لا يملك مستندات اضافية، وقد يكون تمنع عن اعطائها، لا يهم، فالاهم اننا سنسير بالمسار الاتهامي ، واكدت المصادر اننا سنستند لكتابي القاضي صوان وبيطار للقيام بالمقتضى وفق المهل القانونية التي ينص عليها الدستور، وسنطلب اذن الملاحقة والمحاكمة امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراءِ».

وفي هذا الاطار، كشفت معلومات خاصة من مصادر بارزة ان العمل انجز على ورقة هي بمثابة مذكرة او عريضة بصفحة واحدة تحت عنوان: «طلب اتهام»، تم الاستناد فيها لمرجع هو القانون 13 الصادر بتاريخ 1990، خلاصتها التالي: طلب اتهام واذن بالملاحقة امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء!

اما في سطور العريضة - المذكرة التي بات نصها جاهزا ، فتتفرد «الديار» بنشرها حرفيا :

« ان انفجار مرفأ بيروت يعد من اكبر الكوارث التي حلت بلبنان منذ تأسيسيه وحلقة من حلقات انهيار لبنان، لذلك من الواجب التوسع بالتحقيقات بخصوصه وبكافة السبل توصلا لمعرفة حقيقة هذا التفجير وتسمية المتورطين والمقصرين ومحاسبتهم . ولا بد من اجراء التحقيقات الموسعة بخصوصه للالمام بكل التفاصيل ومحاسبة المتورطين...

ولما كان من صلاحية مجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس وزراء ووزراء بارتكابهم خيانة عظمى او باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم كما ورد بنص المادة 70 و71 من الدستور، وبعد اطلاع المجلس النيابي على احالة المحقق العدلي السابق فادي صوان والذي رأى وجود شبهات جدية على رؤساء ووزراء، وبما ان المحقق بيطار وقد رأى احتمال وجود مثل هذه الشبهة على رئيس حكومة ووزراء ، نتقدم بطلب اتهام واذن بالملاحقة امام المجلس الاعلى بحق كل من الرئيس المستقيل حسان دياب والوزير يوسف فنياوس والوزراء السابقون النواب نهاد المشنوق وغازي زعيتر وعلي حسن خليل، بالاستناد لما ورد من كتب القاضيين بيطار وصوان واللذين يسردان ما قد يكون من شبهة ومسؤوليات على من وردت اسماؤهم وكل من يظهره التحقيق فاعلا او شريكا او محرضا او متدخلا».

هذه العريضة التي تتطلب توقيع خمس اعضاء المجلس النيابي اي 26 نائبا ، يجرى العمل راهنا بحسب المعلومات على تأمين هذه التواقيع لترفع للرئيس بري الذي يبلّغها بدوره للنواب والمدعى عليهم المعنيين، مع اعطائهم مهلة 10 ايام للمدعى عليهم للرد عليها، على ان تعقد بعدها جلسة برلمانية، حيث يتم التصويت على انشاء لجنة تحقيق او رد الاتهام، والسيناريو الذي يعمل عليه ، هو انشاء لجنة تحقيق تكون مهمتها اجراء تحقيقاتها، وتعرضها على الهيئة العامة لمجس النواب ليصوت عليه بالثلثين اي 86 نائبا للاتهام او التبرئة، وفي حال الاتهام، تتم الاحالة الى المجلس الاعلى لمحاكمة الوزراء والوزراء!

هذا السيناريو اعدّ له، بحسب المعلومات، بالتنسيق بين نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي والرئيس بري ، انطلق بعدها الفرزلي بزيارة الى بيت الوسط حيث التقى امس الرئيس المكلف سعد الحريري للتنسيق معه حول العريضة، وامكان تأمين توقيع 26 نائبا بينهم «المستقبل».

واللافت هنا، ما قاله الفرزلي بعد اللقاء انه طرح مع الحريري بعض الأمور المجلسية، حيث وضعه في أجواء المعطى المجلسي برمته، ابتداء بما «نطمح إليه، وبشراكة معه بالنسبة للتفكير في كيفية تلبية رغبات أهالي ضحايا جريمة انفجار المرفأ وإرادتهم في تبيان الحقيقة والوصول إليها»، وتابع الفرزلي :»نحن نعتبرها قضية مركزية وأساسية سنتبناها نحن، وسيظهر عندها للرأي العام من الذي يستطيع أن يصل إلى الحقيقة ومن الذي لا يستطيع. وقد كانت وجهات النظر متفقة إلى آخر الخط، ونأمل أن يصار إلى تحقيق الأهداف المرجوة من وراء الحراك الذي سيقوم به، سواء في الداخل إلى الخارج».

وبانتظار كيف ستتظهر مواقف الكتل من العريضة التي يعمل عليها، لاسيما المسيحية منها، وتحديدا كل من التيار الوطني الحر الذي كان اعلن انه مع رفع الحصانات والذهاب حتى النهاية بالقضية ، و»القوات اللبنانية» التي انتقدت تأجيل البت بطلب رفع الحصانات، مع الاشارة الى ان مصادر في «القوات» اكتفت بالقول:» خلينا ننطر العريضة لنشوف»، فيما اشارت مصادر في التيار الوطني الحر الى انها لم تناقش بعد المسألة، لكن موقفها لا يزال متسمكا بتوجهها العام للدفع لاستكمال التحقيق من قبل القاضي بيطار مع رفع الحصانات!

وحول هذه النقطة تحديدا، رفع الحصانات وما اذا كانت الاحالة تمت الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء تتطلب ايضا رفع حصانات، فهناك رأي يقول ان رفع الحصانات ضروري هنا ايضا، والا يكون هناك مشكلة، الا ان آراء الخبراء الدستوريين والقانونيين يعاكس وجهة النظر هذه، فيؤكد الخبير الدستوري سعيد مالك، في اتصال مع «الديار» ان هذه العملية لا تتطلب رفع حصانات لانها لا تؤدي لاخذ اجراء قبل الاحالة للمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ويضيف مالك ان صلاحيات المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الغير مفعّل اصلا، تنحصر بالاخلال الوظيفي، فيما تحقيقات القاضي بيطار تذهب ابعد من ذلك باتجاه «القصد الجرمي»، وهذا الامر خارج عن صلاحية المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وعما اذا كان في الامر تمييعا للملف ولفلفة للمحاكمة، يجزم مالك : نعم !

وتعليقا على كل هذه المعطيات ، اكد نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي ل «الديار» بانه «اعد طلب الاتهام وسلمه لقلم مجلس النواب الذي باشر امس بابلاغ النواب ، موضحا ان طلب الاتهام يقضي باذن ملاحقة ايضا لكل من ادعي عليه من رئيس ووزراء سابقون ونواب امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء»، واوضح «ان لا صلاحية للهيئة المشتركة التي اجتمعت في عين التينة برفع الحصانات، لذلك ولتكوين صورة اوضح طلبنا تزويدنا بمستندات وادلة اضافية لتكوين ملف قبل ارساله الى الهيئة العامة لمجلس النواب، اي طلبنا باختصار تزويدنا بخلاصة الادلة التي استدعت اجراءات الادعاء، كي نذهب بملف كامل الى الهيئة العامة لمجلس النواب، الا ان القاضي ارتأى الا يزودنا بها»، ويتابع: «فاما انه تمنّع عن تزويدنا بها، واما انه لا يملك ادلة».

ويضيف الفرزلي: «بما ان بيطار لم يعط ادلة ومستندات اضافية، فبتنا ملزمين بالتعاطي مع الملف انطلاقا من ان هناك اهالي ضحايا، وهناك حقيقة يجب ان تظهر ، فاستندنا للمادة 18 من القانون 13 لنقرر ان نسير بمسار اتهام الجميع، فطلب اذن ملاحقة امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء».

وعما اذا كان في الامر تخريجة ونوع من التمييع للمحاسبة والمحاكمة فرد بالقول : «ابدا، فالامور ستسير بالاتجاه الصحيح وبالطرق السليمة، والمحاكمة ليست عند القاضي بيطار الذي هو قاضي تحقيق» .

 وعما اذا كان هذا الامر هروبا من رفع الحصانات فيرد الفرزلي سريعا : «ابدا فالحصانات سترفع»، ليضيف: «كيف يتم الاتهام وطلب اذن بالملاحقة بلا رفع الحصانات»؟

واذا كان سيتأمن عدد ال26 نائبا المطلوب توقيعهم على العريضة ، يرد «بيتأمنوا ، ولكن ماذا عن الكتل التي كانت اعلنت صراحة انها مع تسهيل التحقيق العدلي ورفع الحصانات وعدم التأجيل وعلى رأسهم القوات والتيار» ؟ ويختم :»اللي بيمضي اهلا وسهلا واللي ما بيمضي هوي حرّ، وبيكون عم يتهرب من اعطاء الاذن بالملاحقة وتبيان الحقيقة» !

على اي حال وبالانتظار، تؤكد مصادر متابعة للتحقيقات ، بان القاضي بيطار مستمر حتى النهاية بالملف ولن يستسلم، لا بل ينكب على العمل بهدف تكوين صورة واضحة تظهر الحقيقة.

اما عما يحكى من دفعة استدعاءات جديدة ، فتفيد المصادر بان لا دفعة ثانية راهنا 

بانتظار الاستماع لمن ادعي عليه سابقا، الا ان الامر غير مستبعد اذا اظهر مسار التحقيق اي ضرورة لذلك!