الشعب اللبناني يتألّم بإنتظار الحلّ السياسي... واليوم يوم الإمتحان الكبير للقوى السياسية
النفط العراقي الى لبنان يحلّ المُشكلة مؤقتًا... وآلية العقد المُعقدّة لم يتمّ حسمها حتى الساعة
الليبيرالية الإقتصادية الأصيلة هي النظام المثالي للبنان على أصوله لا على الطريقة اللبنانية


تنطلق اليوم الإستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية سنّية تشكيل حكومة في ظل مُعاناة الشعب اللبناني في الحصول على أبسط حاجاته الأساسية من طعام وأدوية ومحروقات... وإذا كانت توجّهات كلٍ من القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ بعدم تسمية الرئيس نجيب ميقاتي ولأسباب مختلفة لا لاتحاد في الرؤيا، إلا أن مُعظم القوى السياسية الأخرى ستُسمّي الرئيس ميقاتي وهو ما يُرجّح أن يُعطيه أكثر من 70 صوتًا بحسب آخر الإحصاءات.

تكليف ميقاتي والسباق مع الوقت

إذًا ومن دون مفاجآت، سيتمّ تسمية الرئيس نجيب ميقاتي اليوم وعليه ستكون مُهمته تشكيل حكومة في سباق مع الوقت نظرًا إلى التردّي السريع في الواقع الإقتصادي والإجتماعي للمواطن اللبناني. هذا التردّي السريع جعل الواقع المعيشي يتخطّى الخطوط الحمر مع إرتفاع «صاروخي» غير منطقي في أسعار السلع والخدمات بشكل تآكلت معه القدرة الشرائية للمواطن وأصبح الفقر يحتل رقعة أوسع في هيكلة المجتمع اللبناني.

عمليًا يُمكن قسمة المجتمع اللبناني إلى قسمين: الموظّف ومدخوله بالليرة اللبنانية، وأصحاب المهن الحرّة ومداخيلهم بالدولار أو بالليرة اللبنانية على سعر السوق. آلية التدفق المالي هي من المواطن بإتجاه أصحاب المهن الحرّة وبالتالي ومع إرتفاع الأسعار بشكلٍ جنوني هناك عملية نقل للأموال من الموظّف إلى أصحاب المهن الحرّة وعلى رأسهم التجّار الذين حققّوا أرباحًا طائلة خلال الأزمة قدّرناها في دراسة سابقة بعدّة مئات ملايين الدولارات (منذ بدء الأزمة!) حيث تذهب حصّة الأسد إلى أعلى الهرم.

الماكينة الإقتصادية الخدماتية بإمتياز لم تعد تؤمّن للموظّف مدخولا يسمح له بالإستهلاك نظرًا إلى أن أكثر من 85% من الإستهلاك مستورد واليد العاملة في هذا القطاع ما زالت غير لبنانية. وفي المقابل يعتمد التجار على الإستيراد لتحقيق الأرباح ويعتمدون على التجارة بالكاش الذي لا يضخّونه في الإقتصاد من خلال القطاع المصرفي وذلك لفقدان الثقة في هذا القطاع. أما الصناعيون فيُصدّرون الأساس من إنتاجهم من دون إعادة الدولارات إلى لبنان خوفًا من إحتجاز أموالهم في لبنان، والقطاع الزراعي يبيع منتوجاته على نار دولار السوق السوداء التي تحرق جيوب المواطنين.

الإقتصاد الموازي أو غير الرسمي – أي الإقتصاد الذي يعتمد على الكاش والذي يمرّ تحت أنف الدولة من دون ضرائب – أصبح يُشكّل أكثر من 80 إلى 90% من إجمالي العمليات التجارية. وهذا يعني أن الموسم السياحي الذي ينتظره اللبنانيون ووعدت السلطات الرسمية بأن دولاراته ستُعيد الحياة إلى الإقتصاد وتنعشه، لن يكون على الموعد بسبب الكهرباء والبنزين وغيرها من المشاكل من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الدولارات في هذا الموسم ستذهب إلى الصرافين بالدرجة الأولى، وأصحاب المهن الحرّة (أجرة السيارات...)، ومنازل أهالي المغتربين اللبنانيين. وكما هو معروف في الإقتصاد، لا يُمكن بأي شكل من الأشكال لإقتصاد أن ينمو من دون قطاع مصرفي محترف يقوم بتوزيع الثروات بين القطاعات الانتاجية، وبما أن القطاع المصرفي اللبناني لا يتلقى دولارات، لذا من المتوقّع أن تذهب مفاعيل الموسم السياحي سُدى.

المواطن اليوم يستنزف مدخراته وسيصل إلى مرحلة سيكون من شبه المستحيل معها أن يكفي حاجاته الغذائية والأساسية وهو أمر سيؤدّي إلى إنفجار شعبي على الأرض، وسيكون هناك تراجع على مستوى التغذية سواء في الكمية أو النوعية وسيؤدّي إلى زيادة الفقر في المجتمع اللبناني الذي كان جنّة الشرق في ستينات القرن الماضي مع نظامه الليبيرالي الحرّ ومُقوماته السياحية والمصرفية التي جعلت منه سويسرا الشرق. هذا صار من التاريخ أو من العصر الذهبي، فما حالنا الآن وما هو الحل الأمثل؟ وماذا يُمكن للحكومة القادمة أن تفعل للتخفيف من حدّة الأزمة على المواطنين؟

عمليًا، الأزمة ظهرت إلى العلن كنتاج لضرب الإستقرار النقدي الناتج بدوره عن عوامل وسياسية، ومالية، وإقتصادية، ونقدية، وفساد. وبالتالي أي حلّ للأزمة يجب أن يُعيد الإستقرار النقدي والإستقرار الإقتصادي وهذا يفرض العودة إلى طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتأمين دخول الدولارات إلى القطاع المصرفي مع ضمانة القيام بالإصلاحات الضرورية.

لكن هذا الأمر يتطلّب تعاونًا من قبل القوى السياسية لا نعلم إذا ما كانت الظروف الحالية ستُعدّل من موقفها خصوصًا أن الحكومات السابقة لم تستطع أن تحقّق أية إصلاحات نظرًا إلى التعطيلات التي واجهتها هذه الحكومات، إلى جانب إصلاحات في القطاع المصرفي الحالي الذي باتت تشوبه بعض الشوائب المستحدثة.

على كل الأحوال، يتوجّب الإنتظار لنرى نتيجة الإستشارات اليوم والإستشارات غير الملزمة في الأيام القادمة.

النفط العراقي

في مبادرة أخوية من قبل العراق ومسعى من قبل اللواء عباس إبراهيم، وقع وزير الطاقة والمياه ريمون غجر عقداً لمدة عام مع الدولة العراقية لشراء مليون طن من النفط لمؤسسة كهرباء لبنان في مقابل خدمات صحيّة وإستشارية تقدّمها الدولة اللبنانية إلى الدولة العراقية. عمليًا هذا الأمر هو أوكسجين للمواطن اللبناني في ظل عدم قدرة الدولة اللبنانية على شراء الفيول بالعملة الصعبة، وبالتالي فإن الدفعة الأولى من هذه النفط ستكفي لبنان لأربعة أشهر بحسب تصريح الوزير غجر الذي أضاف «سنعلن عن مناقصة لاستبدال النفط العراقي الذي لن يستعمله لبنان، بل ستأخذه شركات مقابل أن تمنح لبنان الفيول الذي يستخدم في معاملنا لتوليد الطاقة».

عمليًا هناك بضعة نقاط يتوجّب إثاراتها:

الأولى – هل ستواجه الدولة اللبنانية صعوبة في إيجاد شركات أو دول للقيام بعملية التبادل هذه خصوصًا أن الدولة اللبنانية أعلنت إفلاسها؟

الثانية – الكلفة الفعلية ستشمل النقل الذي لم يتم تحديده حتى الساعة. فهل سيتم إستخدام الإحتياطي الإلزامي لمصرف لبنان؟

الثالثة – هل سيعمد بعض الفاسدين إلى تهريب قسم من هذا الفيول والإستفادة منه عبر بيعه في السوق السوداء أم سيكون هناك تشدّد من قبل الدولة اللبنانية؟

الرابعة – ما هي بالتحديد الخدمات التي ستقدّمها الدولة اللبنانية إلى الدولة العراقية؟ ومن سيقوم بها؟

هذه المبادرة وعلى الرغم من إيجابياتها على المواطن اللبناني، تطرح مُشكلة الحل الدائم الذي لا يُمكن أن يكون هذا الحل. من هنا تتجه الأنظار نحو الحكومة العتيدة لمعرفة نوع الحلول التي ستطرحها لحل مُشكلة الكهرباء – عصب الاقتصاد الحديث.

أي نظام إقتصادي للبنان؟

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كان العديد من المفكّرين الإقتصاديين في فرنســـا ينعون الليبيرالية مُبشرين بمستقبل الإشتراكية والشيوعية والراديكالية في العالم. ثلاثة عقود بعدها، أثبت التاريخ أن الإقتصادات الليبيرالية هي الأنجح في العالم وأن سرّ نجاحها يكمن في وضع وتطبيق قوانين تضمن الكرامة الإنسانية والتعاضد بين أفراد المجتمع على الرغم من وجود العديد من الشذوذ في توزيع الثروات.

النظام الاقتصادي، أينما وُجد، هو صنع الإنسان. وبالتالي فإن الآليات التي تضعها السلطات المركزية لا تختلف عن آليات السوق، لا بل على العكس هي إجتزاء وتشويه لهذه الآليات التي تُعتبر نتاجاً لما يسمى بالقوانين الطبيعية. هذه الآليات تشكلت ببطء على مرّ الزمن بضغط من التجرّد الإنساني وعدم شخصنة التبادل التجاري وإدراك من هم في السلطة فائدتها من أجل الصالح العام، وبالتالي لا يُمكن لأحد إدعاء ملكيتها أو تشويهها تحت أية عنوانين.

التعليب الأيديولوجي والميتافيزيائي للمحتوى الاقتصادي العلمي الدقيق هو الإطار الذي يتبعه المناهضون للّيبيرالية، حيث يتمّ إستخدام حجج إنسانية وإيديولوجية وقيمية لمناهضة الليبيرالية الاقتصادية وحتى السياسية.

حرية الإختيار مضمونة في ظل إقتصاد السوق، ويعتمدها المنتجون لتحديد منتجاتهم من خلال السعر والجودة. وهنا يظهر جانب من الغموض يتمّ فيه أخذ المخاطر من قبل الطرفين (مُستهلك ومُنتج) على أساس وجود معلومة غير مُكتملة. وبالتالي وبغض النظر عن نهج التنظيم المعتمد من قبل المعنيين، يُحدّد الإقتصاد الحديث بالتغيير والتقدم التقني من خلال إعتماد أساليب مُختلفة لإنتاج نفس السلع والخدمات أو من خلال إنتاج سلع وخدمات جديدة (غير معروفة المصير مُسبقًا).

معظم اللاعبين الإقتصاديين يتمتعون بوعي عن قساوة العالم الإقتصادي الذي يعيشون فيه، نتيجة الغموض ونتيجة القيود التي يجب عليهم الخضوع لها لمواجهة تحديات العلم، والتنافسية. ويُذكرنا التاريخ أنه لا يوجد إقتصاد في العالم بمعزل عن «الندرة» (scarcity)، وما يسمى بالوفرة التي تشهدها المجتمعات الغنية لا تزيل هذا القيود. كذلك لا يوجد إقتصاد حــديث بدون قيود على الإنتاجية وعلى الربحية (حماية البيئة، حماية المستهلك...). وبالتالي أي إقتصاد يتم تنظيمه من قبل سلطة مركزية (إقتصاد موجّه أو غير موجّه)، لا يُمكن أن يكون بمأمن من هذه القيود.

تعظيم الكفاءة الاقتصادية تتمّ من خلال التنافسية التي هي أساس في الاقتصاد الليبيرالي، ولا يُمكن إستخدام هذه الحجّة في الأنظمة الأخرى (مثل الشيوعية) نظرًا إلى غياب الخيارات سواء في الإنتاج أو الإستهلاك. من هذا المنطلق، نرى أن الحد الأدنى من الحرّية الإقتصادية ضروري للحفاظ على الحريات الأخرى. لكن هذه الحرّية، كما قال مونتسكيو، لا يُمكن أن تزدهر إلا في إطار ملائم يحوي على أشخاص جيدين ونظام قيم، وسلوك مقبول. وبالتالي فإن إختزال الليبيرالية بالدفاع عن آليات السوق والمشاريع الحرة هي إنتقاص لهذه الليبيرالية.

كل ما تقدّم هو للقول إن ضرب النظام الليبيرالي في لبنان لصالح أنظمة أخرى (إشتراكية، شيوعية، موجّهة...) لن يؤدّي بأي شكل من الأشكال إلى بلوغ الهدف المنشود أي النهوض بالمجتمع اللبناني وبإقتصاده. إلا أن هذا القول لا يعني أن نظام الليبيرالية كما هو معمول به في لبنان كان فعّالا، وإلا لما كنا أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. المطلوب اليوم تأمين المناخ الملائم لهذا النظام من خلال تعميم مبدأ التنافسية وضرب الإحتكارات وترك الحريّة والمبادرة الفــردية تأخذ مداها من دون تدخل من قبل أصحاب النفوذ.