تشكيل الحكومة يكشف عن ازمة الطائفية في النظام

من يقرأ في تاريخ لبنان، اقله الحديث، والابعد لنحو قرنين، يستنتج بان النظام السياسي الذي تم صياغته للمتصرفية التي قسمت جبل لبنان، ما بين قائمقامية مسيحية في القسم الشمالي منه، واخرى درزية في جنوبه، حيث ارسيت الطائفية السياسية منذ العام 1869، وهي الداء الذي لم يأت اليوم الذي يتم تحرير النظام السياسي منه، اذ اعتبرت الطائفية حالة مؤقتة فيه، ودعا اتفاق الطائف الى تشكيل هيئة وطنية لالغاء الطائفية، لكن لم يعمل باهم بند اصلاحي ورد فيه، والذي يفتح الطريق الى نظام مدني.

ومنذ اعلان اتفاق الطائف في العام 1989، لم يخطو لبنان نحو الاصلاح السياسي، الذي هو المعبر الى اصلاحات اخرى، اقتصادية وتربوية ومجتمعية، واصدار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، يؤدي الى انبثاق سلطة تمثل المجتمع لا الطائف، لان المشكلة تتمركز في الطائفية، التي يتم تجميلها بما تسمى «صيغة العيش المشترك»، و»الميثاقية»، و»الديموقراطية التوافقية»، وكلها عبارات جميلة، ولكنها مفخخة على اندلاع فتن وحروب بين اللبنانيين، وان التشديد في الطائف على الغاء الطائفية، لانها اساس العلة في لبنان، بحيث يؤكد احد النواب السابقين الذين شاركوا في اجتماعات الطائف، بان كل النواب اجمعوا على ضرورة الخروج من الطائفية، لكنهم لم يكونوا جديين في العمل الفوري، لاستصدار قوانين في المجلس النيابي، مثل قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وقانون بالغاء طائفية الوظيفة، وقانون احزاب هي في غالبيتها طائفية، الى بنود اصلاحية اخرى واردة في الاتفاق، لو طبقت لكان لبنان فعلا في الجمهورية الثانية.

ولقد كشف تشكيل الحكومة عن الازمة الطائفية التي تقف وراءها قوى سياسية التي ارست لنهج طائفي هو موجود لكنها كرسته تحت شعار بما ان النظام طائفي فهو يوجب المطالبة بحصص طائفية وتحول الكلام الى طائفي وهو نتاج الثقافة السياسية المتخلفة التي تم الترويج لها حول «الرئيس المسيحي القوي» وهي مستنسخة عن شخصية بشير الجميل الذي ألغى منافسيه على الساحة المسيحية من مجزرة اهدن في حزيران 1978 التي استهدف فيها طوني فرنجية وعائلته والى مجزرة الصفرا عام 1980 التي نجا منها داني شمعون الذي اغتيل مع عائلته فيما بعد عام 1990 الى «حرب الإلغاء» بين الجيش بقيادة ميشال عون و»القوات اللبنانية» وهذا نهج ما زال مستمرا ويمارس في هذا العهد تقول مصادر سياسية متابعة بحيث ترى بأن ما يسري على»التيار الوطني الحر» في محاولته النطق باسم المسيحيين وحقوقهم واستعادتها لهم ينطبق على قوى سياسية في طوائف اخرى، اذ يحاول «الثنائي الشيعي» ان يكون الثالث في الحكم فابتدعت «الترويكا» في عهد الرئيس الهراوي بمشاركة رئيس مجلس النواب السلطة التنفيذية مع رئيسي الجمهورية والحكومة كما ان الرئيس رفيق الحريري، مارس «الاحادية داخل الطائفة السنية»وهو ما سعى اليه وريثه سعد لكنه لم يوفق لاسباب عدة.

فالمسألة تتعلق بالطائفية التي تقف وراء خراب لبنان ودماره واقتتال ابنائه فيما يبنهم اذ يقوم زعماء الطوائف والمذاهب في تحقيق مكاسب لهم ولأزلامهم اذ ما معنى ان يكون وزير المال شيعيا فهل منع حصول الكارثة المالية، وزراء الشيعة الذين تسلموا الحقيبة، التي تبوأها وزراء من طوائف اخرى، فماذا فعلوا، كذلك في وزارة الداخلية، التي طالب الحريري ان تكون للسنة، وهو ما قدمه الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، في صيغته لتوزيع الحقائب على الطوائف، وقد مرّ على هذه الوزارة اشخاص من كل الطوائف، ومنهم موارنة كزياد بارود ومروان شربل.

فلماذا هذا التمسك بحقائب تعتبرها كل طائفة من حقوقها، ولم ينص الدستور على ذلك بل اعراف تتكرس من خارجه، كمثل ان تكون الحقائب السيادية من حصة الطوائف الاربع الرئيسية، وهذه بدعة، كما غيرها التي تؤكد الممارسة بان هذا النظام السياسي، لم يعد قابلا للحياة بل مدمرا، بسبب الطائفية التي يحملها، كحالة مؤقتة، فاذا بها تدوم وتستمر معها، عملية القتل المنظم للبنانيين باسمها، والحقوق التي يتلطى وراءها تجار الطائفية، التي افرزت احزابا، كونوا سلطة، وان من يخوض معارك ضد احزاب السلطة سواء في النقابات وغيرها، يجب ان يعلن صراحة، بانه يخوض حربا ضد الطائفية التي دون اسقاطها، فان لبنان يبقى يعاني ازماته.