وصل لبنان الى ما كنا كتبناه قبل نحو عامين وهو «النموذج الفنزويلي»، الذي بات «مضرب مثل»، كما يقال في العامية، لجهة تدني سعر صرف العملة، وارتفاع اسعار المواد الغذائية، وفقدان المواد الاساسية كالمحروقات والدواء والطحين وغير ذلك من مستلزمات الحياة، اضافة الى تدهور الخدمات من انقطاع للكهرباء، وندرة في المياه، وانهيار في المؤسسات، وانحلال لبنية الدولة التي تخطت التسميات من مفلسة الى فاشلة وهي الى زوال، وهذا التوصيف لتقارير دولية، ومواقف لمراجع رسمية في دول عدة، هي على تماس مع الملف اللبناني، ومنذ سنوات، واعلن بعضها بأن لبنان كسفينة «تايتانيك» التي غرقت وركابها يستمعون للموسيقى على سطحها.

فقرار رفع الدعم الذي اتخذه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لم يكن مفاجئاً، بل كان مطلوباً منه من قوى سياسية وحزبية عدة، بأن يلجأ اليه، وهو ما فعله، لأنه اعتبر ما تبقى ما احتياطي الزامي والمقدر بنحو 16 مليار دولار، خط أحمر لا يمس، وكانت بعض الاطراف السياسية تدعوه الى ان يؤمن الدعم، ولو من الاحتياط الذي هو ما تبقى من اموال المودعين، على ان تقوم حكومة تصريف الأعمال بانجاز البطاقة التمويلية التي اعلن وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية حصول تقدم نحو وضعها موضع التنفيذ، وتأمين المال لها من قرض البنك الدولي والبالغ 860 مليون دولار.

فالاعلان عن انجاز البطاقة التمويلية نظرياً، سبق قرار حاكم مصرف لبنان برفع الدعم الذي كان يٌربط بالبطاقة التمويلية، وهذا ما كان يؤكد عليه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب الذي كان لا يريد ان يحصل هذا الاجراء في حكومته ولو مستقيلة، لكن الدعوة الى رفع الدعم، لم يعد منه مهربا، وفق خبير مالي، لان هذا ما هو مطلوب من لبنان، دوليا، لا سيما صندوق النقد الدولي، الذي عالج ازمات مالية واقتصادية واجتماعية وقعت فيها دول، بأن طالبها برفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والطحين، وهذا ما تجاوبت معه دول عدة، كمصر والسودان في العالم العربي.

فقبل وجود حكومة، وفي ظل اخرى مستقيلة كان قرار مصرف لبنان رفع الدعم، الذي لاقى معارضة سياسية ونقابية، ووضع اللبنانيين امام وضع اكثر من سيىء، بان ترتفع الاسعار الى اكثر من الفين الى ثلاثة آلاف بالمئة مع وصول سعر صفيحة البنزين الى 365 الف ليرة، على سعر صرف الليرة امام الدولار وهذا ما سيرفع نسبة الفقر الى نحة 90% بعد ان وصل الى 55% قبل نحو سنة، وفق تقرير البنك الدولي، وفق ما يشير الخبير المالي الذي يسأل بعد قرار رفع الدعم، هل سيخفض سعر صرف الليرة، ام سيرتفع، حيث يتوقع ان يقفز الى ارقام اعلى.

وما اقدم عليه الحاكم سلامة، كان بغطاء سياسي، لكن بغياب الرئيس دياب، بسبب حجر نفسه، لانه خالط شخص مصاب «بالكورونا» وهذا التباعد عن قرار رفع الدعم، هل كان مقصودا، ام لسبب صحي فقط ، وهو الذي كان لا يريد تجرع الكأس المرّة، التي كان سيعوضها بالبطاقة التمويلية، التي يخشى الخبير، من ان تتحول الى محسوبيات، ورشاوى انتخابية، وما هي المدة التي ستستخدم فيها، وهل الاحصاءات علمية للعائلات الاكثر فقرا، ام انتقائية، وعندما تصبح اكثرية الشعب اللبناني عند خط الفقر، ماذا تفيد البطاقة اذا كانت ستقدم ما بين 90 و135 دولارا.

ولم يواكب قرار رفع الدعم، اجراء اصلاحات هي المطلوبة لا بل المشروطة من الحكومة التي لم تبصر النور بعد، وقد حاولت الحكومة المستقيلة، التقدم نحو الاصلاحات واقرت موضوع التدقيق الجنائي المالي، الذي يكشف الخسائر المالية والبالغة نحو 82 مليار دولار ومن تسبب بها، لكن حصلت فرملة لهذا التدقيق، من اطراف متضررة منه، لم تتمكن شركة «الفاريز» التي تعاقدت معها وزارة المال من ان تصل الى كل الملفات، بسبب قانون السرية المصرفية الذي علق العمل به لسنة، لكن تبقى وسائل اصلاحية اخرى لا يمكن الهروب منها يقول الخبير، كالكهرباء التي تسبب بعجز نحو اكثر من ملياري دولار سنويا، وكبدت الخزينة حوالى اكثر من 40 مليار دولار، ووصل لبنان الى العتمة، وكذلك موضوع خدمة الدين العام التي تستنزف الخزينة ويتراكم الدين، دون ايفائه كما حصل مع «اليوروبوندز» الذي سرع عدم التسديد باعلان لبنان دولة مفلسة، ووقع الانهيار الذي كانت مؤشراته ظاهرة منذ ما بعد منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما كان يتم السكوت عن تصاعد الدين العام وخدمته، عبر مؤتمرات دعم للبنان في باريس 1 و2 و3 وقبلها مؤتمر اصدقاء لبنان في واشنطن عام 1997، فكان العلاج بالاستدانة دون الاصلاح، وبقرارات شعبوية، كمثل سلسلة الرتب والرواتب مؤخرا وقبلها التوظيفات.

ان قرار رفع الدعم تسديد فاتورة لصندوق النقد والتجار.