وأخيراً ولدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وعليه، فإنها أمام مهمة شاقة، ولكن في الوقت عينه ليست مستحيلة، كما يؤكد أحد المتابعين لمسار التكليف والتأليف، وذلك، مردّه أن هذه الحكومة جاءت عبر صفقة دولية ـ إقليمية مرفقة بضغوطات على المعطّلين والمعرقلين مع تعهّدات وضمانات بدعمها، ولكن هناك أيضاً مخاوف كثيرة قد تطلّ برأسها في الأيام المقبلة على خلفية رفع الدعم عن المحروقات والدواء والسلع الأساسية، مما سيحرّك الشارع الذي قد يتحوّل الى ساحة من النزاعات والإضطرابات، جراء رفع الدعم، والذي سيحمّل المواطن كلفة باهظة معيشياً ليس بمقدوره تحمّلها في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها.

وبناء على هذه المعطيات، ثمة أجواء عن اتصالات قام بها ميقاتي مع الجهات المعنية بالملف اللبناني، لا سيما الفرنسيين الذين كان لهم اليد الطولى في التوصّل الى تأليف هذه الحكومة، وبمعنى أوضح أن ميقاتي يدرك أن الشارع لن يسكت عن رفع الدعم وسيغضب، وعليه، فإن الحملات ستواجه حكومته مع بداية انطلاقتها، ولذا، فإنه تلقى وعداً من الفرنسيين بأن يكون هناك مؤتمر دولي للدول المانحة والصناديق الضامنة، مع مساعدات عاجلة إجتماعية وطبية وتربوية بغية امتصاص غضب الشارع، خصوصاً أن الجميع يدرك، من باريس الى معظم العواصم الغربية والعربية، أن لبنان يمرّ في أزمات إقتصادية ومعيشية خانقة من شأنها أن تؤدي الى فوضى شاملة، وربطاً بهذه الأجواء يسعون إلى دعم حكومة ميقاتي ضمن شروط معيّنة تغلّفها عناوين سياسية كبيرة مرتبطة بالداخل والخارج.

لذلك، تؤشّر المعلومات، الى أن الدافع الأساسي الذي أدى إلى تشكيل هذه الحكومة، وتحديداً الإتصالات الفرنسية، هدفه بأن تكون حكومة انتخابات، مع مساعدات إجتماعية واقتصادية لإبقاء الوضع تحت السيطرة وعدم تفلّته، لان الفرنسيين هم أبرز الذين يصرّون على إجراء هذه الإنتخابات لإنتاج سلطة سياسية جديدة في لبنان، تبدأ من مجلس نيابي جديد، وهذه المسألة تحظى بدعم وقبول من سائر المجتمع الدولي، إضافة الى أن باريس على بيّنة من دور وقدرة ميقاتي على إدارة هذه الحكومة نظراً لتجربته السابقة عندما تولّى الحكومة الأولى، والتي قامت بإجراء الإنتخابات النيابية، ولكن أن تكون هذه الحكومة إصلاحية أو أنها ستجترح المعجزات، فذلك مسألة يقرّ بها الجميع بأن ظروفها غير مؤاتية بما تبقى لهذا العهد من وقت.

وهذا الأمر دفع بميقاتي الى القبول بهذه المهمة وتشكيل الحكومة بالتكافل والتضامن مع «نادي رؤساء الحكومات السابقين» الذين لا يرغبون بأن يُعطوا العهد، في ظل النزاع القائم معه، أي دور أو إنجاز، ولكنهم متيقّنون وعلى بيّنة تامة لما جرى في الأيام الماضية من اتصالات دولية وتمنيات على أعلى المستويات لتمرير الحكومة، ما يشير الى أنهم لن يقفوا في وجه ميقاتي، بل سيكونون داعمين له ، على اعتبار أنه لن يخرج عن كل ما تم التوافق عليه يوم التكليف، إضافة إلى أنهم سيبقون في المعارضة للعهد، والفصل بينه وبين الحكومة، لا سيما مع رئيسها. وفي المقابل، من الطبيعي بأن ميقاتي سيحظى بثقة وازنة من المجلس النيابي، بما فيهم «التيار الوطني الحر» مع حجبها من قبل بعض النواب في إطار التوافق ضمن الكتلة، لا سيما وأن ميقاتي كان وضع شرطاً أساسياً لكي تحظى حكومته بثقة التيار المحسوب على رئيس الجمهورية ميشال عون، كي لا يستغل الوضع القائم ويسجل نقاطاً وشعبوية على حساب هذه الحكومة.