«الولادة» العجائبية للحكومة اثبتت مرة جديدة ان القوى السياسية اللبنانية «اصغر» من تولي قيادة فعلية وجدية للبلاد الواقعة على «خط زلزال» سياسي وامني في منطقة تشهد اعادة صياغة جديدة للاوزان والاحجام على وقع خروج اميركي «مفشكل» وغير مدروس من الشرق الاوسط، ما يترك اللاعبين اللبنانيين، باستثناء حزب الله، على «قارعة» الطريق يتسولون القرارات الخارجية ويتماشون معها دون ان يكون لهم حق الاعتراض عليها، بعدما تحولوا خلال سنوات السلم من «مرتزقة» حرب الى مجرد سماسرة يقبضون اثمان «البيع والشراء» من خلال «كارتيلات» سياسية واقتصادية نفعية حولت البلاد الى «جثة» هامدة بمباركة الرعاة الاقليميين والدوليين الذين يذرفون اليوم دموع «التماسيح» على واقع اللبنانيين مع العلم ان السرقة الموصوفة كانت تتم برعايتهم وكل «الحرامية» حلفاء لهم.

عملياً، ما نجح الرئيس نجيب ميقاتي به بالتعاون مع الرئيس ميشال عون، كان يمكن ان يحصل قبل 13 شهرا، لو ان الارادة الدولية ورأس حربتها الولايات المتحدة منحت يومها «الضوء الاخضر» للولادة، لكن كان الاميركيون يراهنون على نجاح خطتهم المدعومة سعوديا «بخنق» حزب الله لاضعافه وتوجيه ضربة موجعة للايرانيين على الساحة اللبنانية، لكن اذا كان نفس الرياض طويل، فان واشنطن اثبتت مرة جديدة انها عاجزة عن خوض معارك استراتيجية وتتراجع دوما الى التكتيتك الذي يكون على حساب حلفائها.

وفي هذا السياق، سمع الاميركيون كلاما واضحا من بعض الحلفاء اللبنانيين الذين التقوا احد موظفي السفارة في عوكر، بعدما غابت السفيرة دوروثي شيا عن السمع، ووجهوا سلسلة من الاسئلة التي بقيت دون اجوبة مقنعة حول طبيعة الموقف الاميركي «المائع» من تشكيل الحكومة، فاذا كانت الاتصالات من الخارجية الاميركية مع الرئيسين عون وميقاتي قد ساهمت في تسريع «الولادة»، فكيف سمح للايرانيين بتشكيل حكومة يتمتعون فيها بالقرار بالتنسيق مع الفرنسيين؟ وكان الجواب مربكا ومبهما، اذ برر الديبلوماسي الاميركي ما حصل بالخوف من وصول البلاد الى حافة الانفجار الأمني، ولهذا كان لا بد من تشكيل حكومة «كيف ما كان» لتهدئة المناخ وعدم سقوط لبنان في فوضى ستفيد حكما حزب الله!

طبعا التبريرالاميركي غير مقنع، لكنه انعكاس لسياسة واشنطن «المربكة» في المنطقة والعالم، ووفقا لاوساط سياسية بارزة، يمكن الجزم ان حزب الله كان اقل المتضررين من جولة «الكباش» القاسي حول لبنان، الولايات المتحدة ادركت ان الحصار لم يؤد الى اضعافه بل دفع حلفائها الثمن مرتين ، الاولى في خضم الاشتباك، حيث تم انهاكهم ضمن بيئتهم، والثانية عند التهدئة، وليس التسوية التي لم تنضج بعد، وهكذا اذعن الاميركيون و»الاسرائيليون» للواقع، وقرروا التراجع خطوة الى الوراء دون مراعاة احد من الحلفاء، ولم يتجرأوا حتى على منع سفن النفط الإيرانية من الوصول الى سوريا، ومنحوا الحزب الفرصة للعب دورالمنقذ!

ووفقا لتلك الاوساط، ليس وحدهم حلفاء واشنطن من دفع الثمن، فمن ينتظر ايضا الموقف السعودي من الحكومة، فهو ينتظر في المكان غير الصحيح، لان الرياض تشعر ايضا انها تعرضت «للخديعة» الاميركية على الساحة اللبنانية بعدما قررت تهدئة «اللعب» مع طهران عبر التسليم بشروطها التي سمحت برايها بتشكيل حكومة «يهيمن» عليها حزب الله بعدما باع باريي «وهم» توزير»مجنسين» فرنسيين اوعاملين في مؤسسات فرنسية، فيما الواقع يشير الى انه اعاد صياغة تجربة حكومة حسان دياب على نحو «منقح».

والقلق السعودي ليس مرتبطا فقط بالملف اللبناني الذي يعتبر ثانويا بالنسبة للرياض، بعدما خسرت كل «اوراقها» في بيروت ما اضطرها في العام 2017 الى اعلان الهزيمة عبر اعتقال رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري الذي حرر بشفاعة جنسيته الفرنسية، لكنها تشعر بالقلق من انسحاب الولايات المتحدة غير المنظم من الشرق الأوسط، وقلقة من سحب منظومة الدفاع الجوي من اراضيها، وتركها وحيدة تواجه تداعيات حرب اليمن على رغم المناشدات المتكررة من المسؤولين والأمراء السعوديين القلقلين من تكرار هجمات «ارامكو».

ووفقا لاوساط ديبلوماسية، فان خطوة مغادرة أفغانستان أضرت بشدة في العلاقة مع منطقة الخليج في ظل برودة واضحة في العلاقة بين ادارة جو بايدن والقيادة السعودية. ولو ان الامر سيتوقف عن «درس» افغانستان فان التداعيات قد تبقى محدودة لكن ما يحصل بداية أمر اخطر بكثير سيشمل خروجا شاملا من العراق وسوريا، وقد جاء قرار تأجيل زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد استون إلى المملكة لأجل غير مسمى بحجة جدول المواعيد، ليزيد من الغموض في العلاقة الثنائية المتوترة اصلا مع بدء بايدن الكشف عن الملفات السرية لهجمات 11 ايلول، فالسعوديون لا يصدقون التبريرات الاميركية حول تأجيل الزيارة، خصوصا ان استون يقوم بزيارة للدوحة والكويت والبحرين.

وامام هذه المعطيات، فان الأشهر المقبلة ستشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية في المنطقة بفعل موقف واشنطن المربك، وبات واضحا ان السعودية، تبحث عن قوة جديدة للتحالف معها، وبدأت «بالطرق على أبواب» روسيا والصين اي التوجه شرقا، وهنا المفارقة تنتهج المملكة متاخرة ما كان قد نصح به الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مبكرا بضرورة التوجه شرقا لمواجهة الغروب المتنامي لواشنطن عن المنطقة وتعويض «ملء الفراغ» بقوة صاعدة جديدة، اما في لبنان فلا احد من اصدقاء واشنطن في الداخل او الخارج يعوّل على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يهوى التكيف مع الواقع ويعمل على الاستفادة دوما من المناخات الدولية والاقليمية لتعزيز مكانته داخليا وخارجيا، دون مراعاة لاي مصالح تتجاوز مصلحته الشخصية والعملية، ولذلك تولى مهمة محددة في الزمان والمكان بدعم فرنسي، و»غض نظر» اميركي، ولهذا قبل التعاون مع حزب الله، وباله غير «مشغول» بالتداعيات على الساحة السنية الخالية من اي منافسة بعد «افول» نجم الرئيس «المغيب» سعد الحريري، ولانه يعرف ان الوقت لا يسمح له بالانجازات الكبيرة، يروج لمهمة «تقطيع» للوقت لمنح البلاد «ابر مورفين» وليس القيام بعملية انقاذية كبرى.

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء