منذ ان اجتاز الرئيس ميقاتي امتحان تأليف الحكومة بدقة وعناية شديدين، كانت الثقة النيابية مضمونة لها برقم مرتفع ومرموق، وبسقف يحميها من المفاجآت والمطبات على غرار حكومات التوافق الوطني التي تحصنت بحماية الكتل الكبرى قبل الحروب التي اندلعت في حكومة الحريري الاخيرة بسبب سقوط التسوية بينه وبين الوزير باسيل وضغط الازمة الاقتصادية.

وفور التأليف هبط سعر الدولار هبوطا كبيرا كاشارة واضحة الى ما احدثته هذه النقلة او الخطوة من صدمة ايجابية على المستوى العام في البلد، وكان يمكن ان يكون الهبوط اقوى لولا تدخل مصرف لبنان والمتحكمون بلعبة تسعير العملة في المنصات المتنوعة من مصارف ومافيات بادارات اجنبية ومحلية.

ولم تحدث جلسة الثقة الصدمة الايجابية الثانية وتنعكس على سعر الصرف لاسباب مفهومة وموضوعية منها، انها كانت مضمونة سلفا ككل الحكومات اللبنانية ، ومنها ايضا ان الرأي العام يتطلع الى قيام حكومة الانقاذ بخطوات انقاذية سريعة مثل تحسين التيار الكهربائي ووقف طوابير الذل للمحروقات وتأمين الدواء، لتكون الصدمة الايجابية الثانية لها قبل المباشرة بخوض معركة الخروج من الجحيم الذي ابتلينا به.

ويبدو، وفق غير مصدر، ان ميقاتي منذ ترشحه لرئاسة حكومته الثالثة شديد الحساسية تجاه اظهار قدر مشجع من التفاؤل بسبب العوامل والظروف الصعبة التي وصلت اليها البلاد من جهة، وبسبب الضغوط التي تحيط به شخصيا منذ مبادرته الى تحمل مثل هذه المسؤولية، عدا عن ان شخصيته تميل عموما الى هذا النمط من التفكير والتعقل الزائد والحسابات الدقيقة بالفاصلة والنقطة ان صح التعبير .

وفي رده على مداخلات النواب في جلسة الثقة عكس ميقاتي بشكل جلي وفاقع احيانا، الحذر الشديد الذي يفضل ان يتعامل به، فاستعان بمثلين متناقضين:»هل يصلح العطار ما افسده الدهر»؟ و «ما اضيق العيش لولا فسحة الامل».

ومن يستمع ويشاهد مخاطبته للنواب والرأي العام، يدرك فورا ومن دون عناء انه يعوّل على خطوات وعوامل داخلية وخارجية تسهّل مسيرة حكومته وتزيد من رصيده السياسي والشعبي وتساهم مساهمة اساسية بنجاحه في مهمة الانقاذ.

ومما لا شك فيه، ان ميقاتي يكاد يكون هاجسه الاول على صعيد التوجه الخارجي تحسين اجواء وفرص العلاقة والتعاون بين لبنان والسعودية تحت شعار تعزيز التوجه الى الدول العربية واستعادة العافية للعلاقات اللبنانية العربية عموما والخليجية خصوصا.

وليس سرا ان رغبته بزيارة الرياض اولا هي على جدول اعماله منذ تكليفه تشكيل الحكومة بل قبل ذلك ايضا. واذا كانت اوساطه تتكتم على تفاصيل نتائج الاتصالات التي جرت حول هذا الموضوع بتعليمات مشددة منه شخصيا، فان المعلومات التي رشحت حتى الآن نقلا عن مصادر لبنانية تفيد بأن الرياض لا توصد الباب امام ميقاتي كما فعلت تجاه الحريري، وهي تنظر اليه على انه شخصية رصينة ومسؤولة يمكن التعاون معها وفق القواعد والشروط التي تناسبها في اعادة تحسين العلاقة والتعاون مع لبنان، لكن اتمام الزيارة وتسريعها مرتبط ايضا بقرار سعودي لا يتعلق بشخصية رئيس الحكومة بقدر ما يتعلق بنظرة الرياض الى الوضع اللبناني وسياسة الحكومة والى الظروف الاقليمية والدولية والعوامل المؤثرة على مسار هذا الوضع .

ولا يبدو ان المملكة قد بدّلت رأيها او نظرتها تجاه الوضع في لبنان، فهي ما زالت تعتقد انه تحت هيمنة وسلطة حزب الله، وهذا ما يردده حلفاؤها في لبنان ايضا ، لكنها في الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار الموقف الاميركي والاوروبي، وخصوصا الفرنسي تجاه لبنان خصوصا بعد التطورات الاقليمية الاخيرة، ولا تريد ان تتسرّع بالاقدام على دعسة ناقصة او السباحة عكس مجريات الاحداث والتطورات ، وتفضل ان تتريث وتتأنى في اتخاذ المواقف تجاه لبنان في هذه المرحلة الضبابية في المنطقة.

من هنا ، حسب الاوساط المتابعة ، فان السعودية لا تقفل الباب امام ميقاتي لكنها لم تتخذ القرار بتشريعه امامه من دون «ضوابط وشروط»، واذا كانت لا تستطيع ان تفرض كل شروطها او القسم الاكبر منها، فهي تتطلع الى ترجمة بعض الشروط المتعلقة باستعادة الحضور على مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية معا، بمعنى ان الدعم الاقتصادي مربوط ايضا بحجم التعاون السياسي.

من هنا، يبدو ان تحرك ميقاتي الى الخارج ينتظر حسم موضوع زيارته للرياض، لانه يضع في روزنامته الخارجية زيارات لعدد من العواصم العربية والاجنبية ومنها دول خليجية ومصر وفرنسا التي حدد قصر الاليزيه يوم الجمعة لاستضافة الرئيس ماكرون لميقاتي.

اما على الصعيد الداخلي ومعالجة التدهور الاقتصادي والمالي والاجتماعي، فانه يفضل تطبيق المثل « ما تكبّر الفشخة بتتفركش»، ويرى ان هناك حاجة لاجراءات سريعة وضرورية يمكن اتخاذها اولا لتحسين تأمين التيار الكهربائي وفق الامكانيات التي توافرت، والتي يمكن تعزيزها بمد الغاز المصري، وتأمين المزيد من الفيول اويل مع اجراءات، وتدابير توقف الهدر في قطاع الكهرباء وتحسن مدخوله لتقليل الخسائر قدر الامكان، ريثما تبدأ خطة الكهرباء المتوسطة والبعيدة المدى على ضوء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

وكما عبّر في تصريحاته واحاديثه، فانه يولي اهمية خاصة لمعالجة وضع القطاع الصحي وابقاء الدعم لادوية الامراض المزمنة والمستعصية، مع تحسين آلية توفير وشراء الادوية الاخرى لانهاء ازمة الدواء القائمة.

ووفقا للمعلومات التي رشحت قبل جلسة الثقة، فان ميقاتي استطاع ان يعقد اتفاقا غير معلن مع حاكم مصرف لبنان لتعزيز التعاون بين وزارة المال والمصرف كجزء من اطار سياسة الحكومة المالية التي تنطلق او انطلقت من تحسين سعر صرف الليرة بالحد الممكن دون الوقوع في التضخم ، بحيث يمكن تحقيق استقرار نسبي في السوق يمكن الاعتماد عليه في المفاوضات مع صندوق النقض وخطة الانقاذ.

ومما لا شك فيه ايضا، ان ميقاتي يعول كما كان سيفعل غيره على المفاوضات التي بدأت مع الصندوق ، ويدرك في الوقت نفسه صعوبة ومحاذير هذا المسار، خصوصا ان هناك حاجة وضرورة للموازنة الدقيقة بين مطالب وشروط الصندوق والضمانات التي اكدت وتؤكد عليها قوى سياسية اساسية ومنها الثنائي الشيعي، ويدرك ميقاتي ان هناك مطبات وصعوبات كبيرة تواجه حكومته، لكنه يستعين بقاموسه السياسي الوسطي والاعتدالي لادارة حكومة « الانقاذ معا» وتخفيف حدة الاشتباكات الداخلية.

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب