أولئك المعارضون السوريون الذين هبطوا، للتو، من سراويل القناصل، وراحوا يتنقلون بين الغرف الدنيا (الأدنى من الدنيا) في الادارة الأميركية.

مثلما كان مصيرهم مصير أكياس القمامة (هم قالوا لنا ذلك) على أرصفة اسطنبول، وأرصفة الرياض، وأرصفة باريس، مصيرهم هكذا على أرصفة واشنطن...

حجتهم الخوف على سوريا من أن تغدو «مستعمرة ايرانية». الأميركيون، مثل الايرانيين، يدركون ما هي سوريا، وما هو تاريخ سوريا، ومن هم أهل سوريا التي كانت، وتبقى، أرض العرب، أو ما تبقى من العرب.

كلامنا عن سوريا ليقيننا ليس فقط أن تفكيك الأزمة  هناك، يستتبع، تلقائياً، تفكيك الأزمات في لبنان، وانما لأن وجود لبنان، ومستقبل لبنان، يرتبط، عضوياً وديناميكياً، بوجود سوريا، وبمستقبل سوريا.

ونحن في أروقة الجحيم ونتسول حتى الطعام لجنودنا، لا نقول بالنظام المقدس في سوريا. ولكن أي مقارنة بين الفساد داخل المنظومة السياسية هناك, وحيث لا ديون عليها، والفساد داخل المنظومة السياسية في لبنان الذي يرزح تحت جبال من الدين العام؟ 

هل من تقرير دولي تحدث عن ثروة الرئيس حافظ الأسد وعن القصور التي أورثها لأسرته، وفي اي مصارف أودع ملياراته ؟ ما ينطبق على الأب ينطبق على الابن الذي، اذ ترعرع بين الأيدي النظيفة، لا شيء، أجل لا شيء، لديه سوى راتبه الشهري...

لا أحد ينفي أن بعض الأجهزة الأمنية، وبالرغم من ضبطها الى أقصى الحدود، تبالغ أكثر من اللزوم في التعاطي مع الأصوات المعترضة، حتى الأصوات التي لا غبار عليها، دون أن يبرر ذلك الوضع العصبي الذي تعيشه تلك الأجهزة بسبب الأخطار التي لا تزال تحدق بالبلاد.

ولكن ثمة هواجس أمنية تحكم سوريا، و منذ انقلاب حسني الزعيم، حلبة لصراع أجهزة الاستخبارات على أنواعها، لتظهر النتائج في الانقلاب الذي أودى بالوحدة بين مصر وسوريا. هي الوحدة التي كان يفترض أن تكون الطريق الآخر الى المستقبل العربي الآخر.

بالاضافة الى ما أحاط بسيناريو الانقلاب، انيطت ادارة مؤسسات الوحدة بشخصية هشة، وضحلة، ومتهتكة مثل عبد الحكيم عامر الذي كان يمضي ليلة 5 حزيران 1967 على مائدة الحشيش عند برلنتي عبد الحميد، حين كان موشي دايان يتنقل بين الخندق والخندق!

لم تعد سوريا كذلك منذ أن تسلم الرئيس حافظ الأسد مقاليد السلطة. بات لها دورها المحوري في المنطقة (اذا تابعتم أقوال جيمس بيكر وهنري كيسنجر)، حتى اذا ما وقّع أنور السادات اتفاقية كمب ديفيد، قال اسحق شامير «اذا كان الرئيس المصري قد أتى الى أورشليم على متن الطائرة، الرئيس السوري سيأتي سيراً على الأقدام».

الأجهزة الأمنية في سوريا تعيش هاجس ما وصفه لنا مسؤول سوري كبير «حديقة الثعابين». كانت الخطة التي وضعت بالتنسيق بين واشنطن وعواصم عربية واقليمية، تلحظ غزو سوريا، أوتوماتيكياً، بعد غزو العراق. لا مجال هنا لذكر العوائق التي حالت دون ذلك. من هنا كان اللجوء الى البديل. التفجير من الداخل.

الشرارة الأولى انطلقت من الأردن، من اربد بالذات الى درعا بالذات، وكان رجب طيب اردوغان بمثابة الحصان الخشبي في ادارة النيوانكشارية (الاخوان المسلمين) الذين بدأوا بتنظيم التظاهرات في أكثر من مكان وعلى أساس أن تقويض النظام خلال أيام لا خلال اسابيع، حتى اذا ما سقط الرهان بدأ البحث الجهنمي، وفي اصقاع الدنيا، عن أولئك الذين ترعرعوا على ثقافة تورا بورا.

ألم يلاحظ وفد المعارضة أن أميركا تقف وراء التحوّل الذي حدث في سياسات الأردن حيال سوريا، بعدما تبين لادارة جو بايدن مدى التداعيات الدراماتيكية للحدث الأفغاني على مصير الحلفاء في المنطقة، ما يستدعي اعادة ترتيب العلاقات والمعادلات؟

كل الطرقات مفتوحة باتجاه دمشق التي اذ قال فلاديمير بوتين في بداية الأزمة (ولطالما أشرنا الى ذلك) ان النظام الدولي الجديد ينبثق منها، هل ينتظرنا نظام اقليمي جديد؟ 

عيونكم على... دمشق!!

الأكثر قراءة

«اسرائيل» تكشف موقف لبنان الضعيف في محادثات «الترسيم»: يخشون اميركا ! تحذير غربي من فراغ بعد الانتخابات... وطلب افادة جعجع في حادثة الطيونة ؟ حملة غربية ــ اسرائيلية «لشيطنة» حزب الله في ملف المرفأ والبيطار لا يتراجع