لا يعرف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كيفية تجاوز «الالغام» المزروعة في طريق حكومته، تفكيكها صعب وربما مستحيل، وبات طموحه اليوم، الخروج من «الحقل» حياً مع القبول المسبق بأي عملية «بتر» قد تصيب اطرافه السياسية، لكن مع ابقاء «رأسه» بعيدا عن الاضرار. هذه خلاصة المشهد في السراي الحكومي ، ولذلك «ينأى» ميقاتي بنفسه عن المواجهات القضائية والسياسية والميدانية بين اعضاء في حكومته، ومع اطرف في المعارضة وعلى رأسها «القوات اللبنانية»، ولهذا من يراقب رد فعله على احداث الطيونة وما سبقها، وتلاها من فعل وردود افعال، ومن ضمنها النزاع حول المحقق العدلي في جريمة المرفا القاضي طارق البيطار، يُدرك ان الرجل لا يُريد «احراق» اصابعه في نزاعات لا «ناقة له فيها ولا جمل»، ويتعامل مع الملفات بصفته مراقبا للاحداث لا متدخلا فيها، تاركا «البطيخ يكسّر بعضه»، وبحسب زواره، سبق وابلغ كل المعنيين انه غير معني بتلقف «كرة النار»، وهو معني فقط بمهمته كرئيس حكومة «لجم» التدهور الاقتصادي ومنع «الارتطام»، ومن لديه اهداف اخرى او معركة تصفية حسابات لن يكون هو جزءا منها، ولن يخوض معركة احد حتى لو تمّ تجميد عمل الحكومة كما هو حاصل اليوم، «واللي طلّع الحمار على المأذنة ينزله»..

طبعا سياسة «النأي بالنفس» لها حدود، كما تؤكد اوساط سياسية بارزة، وهذه الحدود تقف عند «خاطر» الاميركيين المتدخلين في ملفين اساسيين لا تستطيع الحكومة تجاوزهما او الادعاء بعدم مسؤوليتها عنها، اما الملف الثالث فيرتبط بالعلاقة «الباردة» مع السعوديين والتي اهتزت خلال الساعات القليلة الماضية على خلفية تصريحات وزير الاعلام جورج قرداحي، ما دفع رئيس الحكومة الى المجاهرة العلنية برفض هذه المواقف وتصحيحها، كما بادر الى «جس نبض» وزير الاعلام حيال امكانية تقديمه «لاعتذار» منمّق كي يتم طوي الصفحة، وهو ما رفضه قرداحي كونه «لم يخطىء ليعتذر»، ما دفع برئيس الحكومة الى تشغيل «محرّكاته» في اكثر من اتجاه لتبريد الاجواء، خصوصا انه يحاذر الانسياق وراء الدعوات لاستقالة الوزير، كونه لا يحتمل ازمة سياسية مع رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية في «موسم» الانتخابات.! 

وبالعودة الى الاميركيين، نجحت المقرات الرسمية الثلاثة في الساعات القليلة الماضية بتقديم تطمينات الى السفيرة دوروثي شيا التي تواصلت مع «بعبدا» «والسراي الحكومي» «وعين التينة» وابلغتهم رفض بلادها «للاستنسابية» التي تمثلت باستدعاء رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع الى «اليرزة» على خلفية احداث الطيونة، وسمعت كلاما واضحا حيال عدم وجود خلفيات سياسية ممنهجة لتصفية الحسابات مع «معراب»، او عزل «القوات» ، ووفقا للمعلومات، قيل للسفيرة صراحة، لماذا القلق «جعجع بخير»! وثمة اتصالات لمعالجة الموقف، ولا يوجد اي غطاء سياسي للذهاب بعيدا في هذه الاجراءات، وقد فهمت شيا ان «الخط الاحمر» الذي رسمته بلادها لن يتم تجاوزه، وان هذه القضية ستقف عند هذا الحد، ولن تتدحرج الامور نحو الاسوأ.! 

اما الملف الثاني المثير للقلق بالنسبة الى رئيس الحكومة، فيبقى ملف ترسيم الحدود البحرية الذي يضعه الاميركيون على رأس اولوياتهم، وكان لافتا اثارة ميقاتي لهذا الملف خلال زيارته قبل ساعات الى القصر الجمهوري، ووفقا للمعلومات، ابلغ ميقاتي الرئيس عون ان واشنطن تضغط للحصول على اجوبة خلال مدة لا تتجاوز مطلع الشهر المقبل على مسألتي التخلي عن الخط 29 ، والرد على اقتراح عاموس هوكشتاين في أن تتولى شركة تجارية مسؤولة عن إنتاج الغاز وتوزيعه بين «إسرائيل» ولبنان دون تدخل مباشر من الدولتين! وللمفارقة تقول مصادر مطلعة، ان الرجلين مقتنعان بالمطالب الاميركية لكنهما لم يجدا بعد المخرج المناسب لتسويقه دون اثارة ازمة في البلاد، ولهذا تدور نقاشات بعيدة عن الاضواء لايجاد صيغة يمكن «هضمها». 

لكن المفارقة في هذا السياق، ان الرئيسين عون وميقاتي لا يضعان على «الطاولة» اوراق القوة الموجودة لدى لبنان، خصوصا ان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله قد منحهما علنا «ورقة» للتفاوض مبنية على «قوة الردع» التي تخشاها «اسرائيل»، وما لا يدركه الجانب اللبناني الرسمي هو ان «اسرائيل المستنفرة» غير قادرة على الذهاب الى اي مواجهة راهنا، لاسباب كثيرة، لكن في مقدمتها عدم جهوزيتها لوجستيا لاي حرب، ولهذا فهي اليوم بموقف اضعف مما ستكون عليه بعد عام او عامين، ولهذا هي تماطل في عملية التفاوض. وللدلالة على هذا الاستنتاج، نشرت صحيفة «هارتس» تقريرا امنيا يشير الى وجود نقص هائل في صواريخ «القبة الحديدة» التي صرفت بمعظمها في معركة غزة الاخيرة، ولم يتم تعويضها حتى الآن، اي ان «اسرائيل» دون «مظلة» حماية جوية الآن، ولهذا حث «الجيش الإسرائيلي» الصناعة الأمنية للاستعجال في ادخال منظومة دفاع جوي جديدة تستخدم فيها اشعة «الليزر»، وطلب من الشركات التي تنتج المنظومة إعطاء الأولوية لاستكمالها في الأشهر القريبة القادمة، على ان يتم انتاج ثلاث منظومات سيتم استكمالها حتى 2024 ، وكان من المخطط إجراء تجربة في الصناعات الأمنية لفحص قدرة المنظومة الجديدة، لكن التجربة رحلت لبضعة أسابيع من أجل تحسين وملاءمة المنظومة مع الاحتياجات وملاءمة قدرتها الاعتراضية مع الأهداف دون تعريض قوات الجيش الاسرائيلي ومواقعه العسكرية للخطر.! 

في الخلاصة، لا يبدو الجانب اللبناني معنيا بالاستفادة من موقعه القوي في التفاوض باعتبار انه لم يدخل بعد سوق الانتاج الغازي ويستطيع في المقابل تعطيل «الانتاج الاسرائيلي»، في وقت تخشى «اسرائيل» الحرب، وكل المؤشرات تفيد بان رئيسي الجمهورية والحكومة يحاولان عدم «اغضاب» الاميركيين، لحسابات «شخصية»، لكن «ساعة» الحقيقة اقتربت بعدما طلبت واشنطن باجوبة حاسمة وسريعة، وهنا يكمن اسوأ «الالغام» واكثرها خطورة، خصوصا اذا ما تراجع حزب الله عن سياسة «النأي بالنفس» عن هذا الملف! 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟