صحيح بأنّ الماكينات الإنتخابية للأحزاب السياسية بدأت حملاتها الإنتخابية تحضيراً لإجراء الإنتخابات النيابية المقبلة، المطلوبة بإلحاح من قبل دول الخارج أكثر من الداخل، سيما وأنّ بعض الكتل تتمنّى عدم حصولها في موعدها أو في غير موعدها لكي تُحافظ على مقاعدها في البرلمان. فتغيّر المزاج الشعبي هو أكثر ما بات يُحسب له الحساب، ولهذا قامت بعض الأحزاب بالتجييش في الشارع لشدّ العصب الطائفي مجدّداً ولتحسين مواقعها الإنتخابية، غير أنّ الإنقسامات التي عادت الى الشارع، وأظهرت انقساماً عمودياً داخل الحكومة تشي بأنّ «الإنتخابات النيابية» لن تجري لا في 27 آذار ولا في 8 أو 15 أيّار المقبلين، على ما سيتقرّر في مجلس النوّاب. علماً بأنّ تحديد موعد الإنتخابات غالباً ما يتمّ من قبل وزير الداخلية والبلديات وفقاً لجهوزية وزارته، على أن يكون خلال الشهرين أو الستين يوماً التي تسبق موعد انتهاء ولاية المجلس الحالي. فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وما هي التداعيات التي ستنجم عن تمرير هذا الإستحقاق؟!

تقول مصادر سياسية مطّلعة بأنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تبدو متحمّسة لإجراء الإنتخابات النيابية، سيما وأنّ ما يهمّها حالياً هو ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي والإستفادة من تقاسم الموارد في الحقول النفطية المشتركة عن طريق شركة أميركية. أمّا الإنتخابات فهي بالنسبة اليها لن تأتي بالمرشحين المستقلّين، سيما وأنّ أحداث الطيّونة الأخيرة كشفت لها أنّه من السهل على الأحزاب شدّ العصب الطائفي ساعة تشاء، ويُمكنها بالتالي أن تستخدم هذه الطريقة منذ الآن وحتى موعد الإنتخابات المقبلة، لهذا صرفت النظر عن التشديد على ضرورة إجراء الإنتخابات كونها لم تعد تُعوّل على نتائجها لإحداث التغيير الذي تنتظره إدارة الرئيس جو بايدن من صناديق الإقتراع.

أما فرنسا والدول الأوروبية فلا تتوافق مع الولايات المتحدة على هذا الأمر، بل تصرّ على ضرورة إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، على ما أضافت المصادر، كونها الوسيلة الوحيدة المتوافرة للتغيير. ويؤثّر موقفها هذا على غالبية الدول المانحة والمجموعة الدولية وصندوق النقد الدولي والصناديق الأخرى سيما وأنّها تربطه بمسألة حصول لبنان على القروض والمساعدات المالية، وإلاّ فإنّ العقوبات الأوروبية ستطال السياسيين الذين يعطّلون الإنتخابات، وستحاصر أموالهم المهرّبة الى مصارف هذه الدول.

في المقابل، أكّدت المصادر نفسها أنّ بعض الأحزاب السياسية تتمنّى أو تسعى لعدم حصول الإنتخابات النيابية، كونها تودّ المحافظة على مقاعدها البرلمانية نفسها، لا أن تفقد بعضها لصالح أحزاب أخرى أو لصالح المرشّحين المستقلّين. فالتنافس بين الأحزاب في البرلمان أساسه الحصول على أكبر كتلة نيابية، كما على أكبر كتلة طائفية فيه، ما يجعل هذا الحزب يُسجّل النقاط على الأحزاب الأخرى، ويحوز بالتالي على أكبر عدد من الحقائب الوزارية أيضاً، ما دامت الحكومات تُشكّل وفق هذا النمط.

وتقول المصادر عينها، أنّه في حال لم تجرِ الإنتخابات في موعدها لسبب أو لآخر، فإنّ مجلس النوّاب الحالي الذي تنتهي ولايته في 21 أيّار من العام المقبل لن يكون باستطاعته انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في تشرين الأول المقبل، كونه ينقص 11 نائباً إمّا بسبب الإستقالة (8 نوّاب) أو بسبب الوفاة (3 نوّاب). وكما هو معلوم لم تحصل أي إنتخابات فرعية لسدّ المقاعد الشاغرة، ما يجعل المجلس الحالي فاقداً لمبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، على ما تنصّ عليه المادة 24 من الدستور. وأشارت المصادر الى أنّ الإنتخابات الفرعية لا يُمكنها بالتالي أن تحصل قبل موعد الإنتخابات المقبلة، لأنّ مهلة الستّة أشهر التي كان يجب أن تحصل خلالها انتهت، من دون أن يرفع المجلس توصية بشأنها.

وفي هذه الحال، تضيف المصادر، قد يقترح المجلس الحالي التمديد لنفسه لمدة سنة أو سنتين، على غرار ما حصل في مرّات سابقة، غير أنّ هذا الأمر يستلزم أن يجتمع للتمديد، وهذا الأمر قد ترفضه بعض الأحزاب التي تصرّ على إجراء الإنتخابات كون القانون الإنتخابي الساري المفعول يُنصفها، من وجهة نظرها. فيما الأحزاب التي تجد أنّه مجحفّ بحقّها وبحقّ شعبيتها كانت تنتظر أن يتمّ تعديل بعض البنود فيه، مثل عدد الدوائر أو اعتماد صوتين تفضيليين بدلاً من صوت واحد الخ.. غير أنّ مثل هذه التعديلات لم تُناقش في مجلس النوّاب.

وبرأي المصادر، أنّ الخلاف على تحديد موعد الإنتخابات النيابية المقبلة الذي حصل الأسبوع الماضي في مجلس النوّاب، ويُبتّ اليوم الخميس، يهدف الى تعطيل الإنتخابات، وإظهار أنّ ثمّة شرخاً بين الكتل النيابية، وأنّ خلافاتهم السياسية لن تنتهي... فيما خشية الأحزاب من نتائج الإنتخابات تجعلها تتمسّك بانتخاب أكبر عدد ممكن من الناخبين اللبنانيين في لبنان ودول الخارج، وعدم فقدان أصوات 10865 ناخباً من الذين يبلغون سنّ الـ 21 بعد تجميد لوائح الشطب لتحضير للقوائم الإنتخابية.

وفيما يتعلّق بسقف الإنفاق الإنتخابي الذي نصّ عليه القانون 44 المعدّل، ترى المصادر بأنّ أي من الأحزاب لا يلتزم بهذا السقف، رغم وجود هيئة الإشراف على الإنتخابات التي يدخل من ضمن مهامها مراقبة التزام المرشّحين به. أمّا الحالة الإقتصادية المزرية التي أصبحت تطال غالبية الشعب اللبناني فتُساعد، بحسب رأي المصادر، الأحزاب اليوم على دفع الأموال للناخبين، ودفع الفواتير المستحقّة بدلاً عنهم. غير أنّ حصول «إنتخابات مزوّرة أو غير شفّافة» بالنسبة للمصادر نفسها، يبقى أفضل من التمديد للمجلس الحالي. علماً بأنّ دول الخارج تُشدّد على ضرورة أن تكون الإنتخابات شفّافة وصادقة ونزيهة ولا غشّ فيها، لكي تأتي بنوّاب يمثّلون الشعب فعلياً.

وختمت المصادر بأنّ أي تمديد للمجلس النيابي الحالي، في حال استمرّت الحكومة «معطّلة»، رغم اتفاق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي على ضرورة عودة مجلس الوزراء الى الإلتئام قريباً، وحرصهما على عودة الجميع الى الطاولة والأهمّ تنقية الأجواء وتصحيح المسار القضائي وتنقيته بالكامل، من شأنه إعادة التظاهرات الى الشارع مع إمكانية حصول الفوضى فيه مجدّداً، وهذا الأمر لن يصبّ في مصلحة لبنان بل في مصلحة العدو الإسرائيلي الذي يهمّه عدم تحسّن الوضع الإقتصادي والإجتماعي والأمني في البلد... 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟