في ظل الأجواء اللبنانية المشحونة سياسياً ووسط الأزمات الاقتصادية التي لم يشهد لها لبنان مثيلاً منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914، وبعد انفجار مرفأ بيروت الذي يعد أكبر ثالث انفجار في العالم بعد "هيروشيما ونكازاكِ"، وإلى جانب الأجواء الانتخابية المهيمنة على الساحة السياسية، تأتي تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي لتشعل أزمة ديبلوماسية حادة بين لبنان والمملكة العربية السعودية.

هذه ليست المرة الأولى التي يسبب فيها تصريح مسؤول سياسي مشاكل بين لبنان ودول الجوار، حيث كان لوزير الخارجية السابق شربل وهبة تصريحاً وصف فيه السعوديين بـ “البدو" ما أدى إلى توتر العلاقات بين لبنان والمملكة نتج عنه تعليق الوزير مهامه في الحكومة المستقيلة، وكان قد سبق تصريح وهبة فضيحة تهريب الممنوعات بفاكهة الرمان.

تراكم هذه الأحداث وما ترافق معها من مواقف سياسية لبعض الأفرقاء اللبنانية المعارضة لسياسة السعودية إلى جانب العلاقة المتوترة بين الرئيس سعد الحريري والأمير السعودي محمد بن سلمان، بعد احتجاز الأول في السعودية بتهم الفساد وبالتالي خسارة السعودية حليفها السني الأكبر في لبنان.

كل ما سبق جعل السعودية تنتظر لبنان على "أول مفرق" لتبدأ بتصعيدها السياسي في محاولة لاستعادة القرار في الداخل اللبناني، بعد أن خسرت أوراقها الأساسية في لبنان. وعلى أثر تصاريح قرداحي تم طرد السفير اللبناني فوزي كبارة من السعودية كما وطلب من السفير السعودي في لبنان وليد البخاري العودة إلى المملكة خلال 48 ساعة، بالإضافة لقطع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ما دفع بكل من دول البحرين، الكويت والإمارات لحذي حذو السعودية.

وقطع العلاقات بين لبنان وهذه الدول أدى إلى انقسام الآراء في الشارع اللبناني، حيث حاول المحللون فهم الأسباب والنتائج والأبعاد السياسية وراء ما حصل فهل هو تصعيد لقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين أم هي ازمة ديبلوماسية حادة؟ وماذا تحمل في أبعادها من رسائل سياسية؟


"قطع علاقات أم أزمات ديبلوماسية؟!"


وفي هذ الإطار أشارت الدكتورة في العلاقات الدولية ليلى نقولا في حديث خاص لموقع "الديار" إلى أن "قطع العلاقات الديبلوماسية هو الحد الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه بلدان بالتصعيد بين بعضهما البعض وهو خيار لا تلجا اليه الدول إلا قبل الحرب مباشرة أو في مرحلة توازي مراحل تصعيدية للعداء الشديد".

وأضافت: "ما حصل من قبل المملكة السعودية باستدعاء السفير السعودي وطرد السفير اللبناني منها هي أزمة ديبلوماسية قد تحصل بين بلدين قد يكون لها مراحل عندما تعترض دولة ما على سياسة دولة أخرى أو على تصريحات تعتبرها عدائية فهي إما تقوم باستدعاء السفراء إما للتشاور أو إلى ما وصلت إليه اليوم المملكة، يليها الكويت والبحرين والإمارات. وهذا يعتبر تصعيد حاد ومتقدم ولكنه لا يعني بالضرورة قطع العلاقات الديبلوماسية بشكل نهائي".

اما عن قطع العلاقات الاقتصادية مع لبنان وهو الموقف المتقدم من قبل السعودية، فلفتت نقولا إلى أن "هذا النوع من العقوبات الاقتصادية كانت السعودية قد بدأت به منذ أن منعت دولتها باستيراد الفاكهة والخضار من لبنان وذلك بعد ما قيل عن كشف كمية من الممنوعات داخلها، إلا أن السبب الرئيسي والطاغي هو استياء المملكة من لبنان حيث أنها لا تنظر بعين الرضى لسياسات لبنان الخارجية".

أما عن تصريح السفير اللبناني قبل مغادرة المملكة مباشرةً فعلقت نقولا بالقول إنه على الصعيد القانوني "تم استدعاء السفراء وطرد الديبلوماسيين وهذا السيناريو حصل بين الاتحاد الأوروبي وروسيا سابقاً وبين روسيا وأميركا وبين روسيا وتركيا حيث منعت روسيا من استيراد الخضروات والفاكهة من تركيا وكانت رسالة سياسية موجهة للطرف الآخر لتغيير سياساته".


طلبات عديدة لعودة المياه إلى مجاريها


أما عن المطالب التي يتحدث عنها السفير السعودي وأولها استقالة الوزير قرداحي بحسب تصاريحه فقالت، "هذا أمر معقول وممكن تنفيذه، أما إذا كان المطلوب لكسب الرضى السعودي استقالة الحكومة اللبنانية فهذا لا يمكن على لبنان فعله بظل الأزمات المتخبطة التي يعيشها"، مذكرةً بأنه “كان للسعودية ورقة بيضاء في لبنان وعروض عديدة للتدخل في مفاوضات تشكيل الحكومة اللبنانية وانخراطها في تسمية رئيس الحكومة وليكون لها وزراء داخلها، لكنها اتخذت موقفاً واضحاً وهو عدم التدخل والمشاركة".


ثقافة اللبناني قيمة مضافة


أما عن مدى خطورة الامر على الجالية اللبنانية داخل الدول العربية المتضامنة مع المملكة السعودية، فأكدت نقولا على أن "المملكة أعربت عن احتضان الجالية اللبنانية، خاصةً أن ثقافة اللبناني وفكره هو قيمة مضافة للبلدان العربية".


غضب سعودي منذ عام 2017؟!


أما على الصعيد اللبناني، لفتت نقولا إلى أن "غضب السعودية بات متفاقماً على لبنان حيث أن الأزمة الديبلوماسية بدأت منذ عام 2017 بين البلدين، عندما أختطف الحريري في المملكة واجبر على الاستقالة وهنا أعربت السعودية عن استيائها بشكل واضح وصريح من سياسات لبنان المتجهة نحو الخط الإيراني بالإضافة لوجود "حزب الله" وسلاحه تعقيباً على تصاريح المملكة السعودية أو ما ورد على طاولة الجامعة العربية".


عزل كرسي لبنان عن طاولة الجامعة العربية؟!


وعن احتمال عزل لبنان عن طاولة الجامعة العربية، فقالت نقولا إن، "العزل ليس بهذه السهولة، اذ يمكن لأي دولة عربية طرح موضوع عزل لبنان إلا أن الأمر يتطلب إجماع الدول على الرأي نفسه. ولكن لبنان غير مؤهل لهذا الموضوع لان القضية "ما بدا هالقد" حيث ان موقف الوزير قرداحي غير رسمي وهو غير صادر عن الحكومة اللبنانية، ولم تمس السلطات اللبنانية بسيادة المملكة، ونشر بيان من قبل الحكومة ورئاسة الجمهورية اللبنانية يوضحان موقفهما من تصريحات قرداحي التي لا تعبر عن راس السلطات اللبنانية".

وتابعت: "تصاريح أمين عام جامعة الدول العربية أبو غيظ في الامس كانت هادفة لتهدئة النفوس حيث تم أخذ الأمور بمنحى إيجابي، وظهر اتجاه لاحتضان لبنان عربياً من قبل الأردن ومصر لإخراجه من أزمته إلى جانب غيرها من الدول. وسينحصر القرار على مجلس التعاون الخليجي بسحب سفرائهم من لبنان وطرد الديبلوماسيين اللبنانيين، ولن تتفاقم الأمور بنظري أكثر".


بين عام 1967 وعام 2021.. وجهات شبه سياسية ومعاكسات على الصعيد القانوني


بحسب تاريخ لبنان لم تكن المرة الأولى الذي يشهد فيها البلدين أزمات ديبلوماسية ففي عام 1967 انذرت السعودية  لبنان على لسان وزير خارجيتها السيد عمر السفاف حينها بسبب تغير سياساته واتخذت بحقه خطوات تأديبية عديدة وهددت السعودية حينها بطرد الجالية اللبنانية ومنع سفر الحجاج اللبنانيين إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة وسحب رؤوس الأموال السعودية الموجودة في لبنان.

وفي تعليق على ما سبق اعتبرت نقولا أنه "من الوجهة السياسية بالأهداف ليس هناك فرق ففي تلك الحقبة اعتبرت السعودية أن حركة جمال عبد الناصر كانت تشكل خطراً على المنطقة واعتبرته تهديداُ لها وذلك لقرب رئيس الجمهورية السابق شارل حلو حينها من عبد الناصر. والخوف كان من المد الناصري في المنطقة والتي اعتبرته السعودية خطراً عليها، أما اليوم فهنالك المد الإيراني في لبنان والمنطقة والمطلوب من لبنان قطع هذه العلاقة التي تعتبرها المملكة من أبرز الأخطار الإقليمية عليها".

أما على الصعيد القانوني فقالت نقولا إن، "السعودية اليوم لا تريد تفجير العلاقة كلياً وقطعها، وذلك لأنها لم تأخذ الإجراءات التصعيدية الصارمة عينها التي اتُخِذُت سنة 1967، على الرغم من مطابقة الموقف السياسي فالمملكة السعودية لم تهدد بطرد الجالية اللبنانية منها بل هي تريد إرسال رسالة صارمة فقط من دون تفجير العلاقة الكاملة على الصعيد القانوني".

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !