قد يستغرب كثيرون الموقف السعودي والخليجي من لبنان، بالرغم من أن التصعيد الحالي يكاد يكون مفهوماً لدى البعض الذين يشددون على أن التصعيد لم يكن بسبب وزير الاعلام جورج قرداحي بل لأسباب أخرى تتعلق بوضع المملكة العربية السعودية.

أخطأ وزير الإعلام أم لم يخطىء ليس هو لبّ القضية، ولو أن كثيرين ألقوا اللوم على قرداحي، إما بسبب جهلهم وإما بسبب حقدهم وإما بسبب ولاءاتهم الخارجية، فالقضية الاهم بالنسبة الى مصادر قيادية في فريق 8 آذار هي الموقف السعودي من لبنان الذي يتأرجح منذ سنوات بين الحاد والحياد.

وتشير المصادر الى أن السعوديين كانوا بعد التسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون الى قصر بعبدا وما اعتبروه يومها خطيئة سعد الحريري، حياديين الى حدّ ما بموقفهم من لبنان، فلم يلعبوا دوراً في كل المسار السياسي ورفعوا الغطاء عن حلفائهم في لبنان، ولكن منذ عامين تقريباً تغيّر المشهد، فعادت السعودية الى لعب دور في لبنان ولكن هذه المرة عبر رئيس حزب «القوات» سمير جعجع، وعنوان هذا الدور مواجهة حزب الله، ومؤخراً التحضير للإنتخابات النيابية، مع الإبقاء على معاداة سعد الحريري لأسباب سياسية وشخصية ومالية. ولكن لم تتخذ السعودية في أي وقت من الأوقات مثل هذا الموقف السلبي من لبنان، فلماذا الآن؟

التوقيت اليوم يتعلق بالوضع السعودي في اليمن، فتلك الحرب تستنزف السعوديين ولا بد من إيجاد حل لها، ولكن لا تظهر فيه المملكة السعودية بموقف الخاسر الذي خاض الحرب لسبع سنوات تقريباً دون تحقيق أي إنجاز، لذلك تسعى السعودية، بحسب المصادر، الى فرض الحلول التي تناسبها لوقف الحرب في اليمن، وهو ما يرفضه الحوثيون الذين يحققون الانتصار تلو الآخر، وآخر هذه الانتصارات في مأرب.

وتُشير المصادر الى أن التصعيد في لبنان مردّه الى قناعة سعودية بأن ملف اليمن بيد حزب الله اللبناني، وربما قد يكون هذا الامر قد سمعه السعوديون في لقاءاتهم مع الإيرانيين في العراق، إذ هناك معطيات تقول بأن السعوديين طلبوا من الإيرانيين البحث بالملف اليمني، فكان الجواب الإيراني بأن السيد حسن نصر الله هو الأقرب للحوثيين وهو القادر على التأثير عليهم، وبالتالي دعا الإيرانيون السعوديين للتفاوض مع حزب الله بحال أرادوا مساعدة في الملف اليمني.

طبعاً يرفض بن سلمان التفاوض مع حزب الله، لذلك وجد الفرصة اليوم مؤاتية لرفع مستوى الضغوط على لبنان لعدة أسباب، على حد قول المصادر، أولها الملف اليمني وفكرة ممارسة الضغط على حزب الله، وثانيها ملف الإنتخابات النيابية حيث برزت زيارة السفير السعودي في لبنان الى معراب قبل بدء التصعيد بساعات قليلة، وثالثها ملف العلاقات السعودية - الفرنسية، والسعودية - الأميركية، فلا الأميركي ولا الفرنسي كانا بجو القرارات السعودية، فالأول يريد خلق نوع من الهدوء يسمح بإجراء انتخابات يعول عليها ويصرف عليها الأموال لتحقيق نوع من التغيير، والثاني هو الداعم الأول لحكومة نجيب ميقاتي ويسعى لتأمين نجاحها طمعاً بدور كبير على البحر المتوسط.

من هنا يمكن فهم المواقف الأوروبية والأميركية التي تنشط على خط تخفيف الاحتقان، إنما بالنتيجة لا يزال لبنان ساحة رسائل عربية واقليمية ودولية، ولا شكّ أن المرحلة الفاصلة عن الانتخابات بحال حصلت ستكون قاسية للغاية. 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟