من جناح عسكري للجبهة اللبنانية (1976) إلى حزب "مسيحي" مرخّص (أخذ العلم والخبر من وزارة الداخلية في 10 أيلول 1991)، عملت "القوات اللبنانية" على أكثر من 45 عاما على بناء شعبية توجّت على رأس هذا الحزب 5 زعماء بدأ برئيس الجمهورية السابق بشير الجميل (آب 1976 إلى أيلول 1982) ووصولا إلى الرئيس الحالي سمير جعجع، وتوسطهما كلّ من فادي أفرام (من أيلول 1982 إلى تشرين الأول 1984 )، وفؤاد أبو ناضر (من تشرين الأول 1984 إلى آذار 1985)، وإيلي حبيقة (من آذار 1985 إلى كانون الثاني 1986).


مرّ حزب القوات اللبنانية بانقلابات وانقسامات عديدة فبعد إغتيال بشير الجميل، تولّى فؤاد أبو ناضر قيادة “القوات”، إلا أنّ جعجع وإيلي حبيقة وكريم بقرادوني تمرّدوا عليه بهدف "إعادة القوات إلى طريقها الصحيح". غير أنّ علاقة جعجع وحبيقة ما لبثت أن توتّرت خاصة بعد توقيع الأخير الاتّفاق الثلاثي مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الأمر الذي عارضه جعجع إلى جانب العديد من الشخصيات المسيحية البارزة. كان ذلك بداية نزاع مسلح بين الطرفين، أدّى في النهاية إلى تولّي جعجع قيادة القوات اللبنانية وسيطرتها على منطقة بيروت الشرقية.

ومع نهاية ولايته الرئاسية، قام الرئيس السابق أمين الجميّل بتعيين حكومة عسكريّة مؤقّتة برئاسة قائد الجيش آنذاك ميشال عون، أخذت طابعًا مسيحيًا بعد استقالة جميع الوزراء المسلمين فيها، وقد نشأ خلاف بينها وبين الحكومة المدنية برئاسة سليم الحص التي حظيت بدعم المسلمين واليساريين. في البداية، قدّم جعجع دعمه للحكومة، إلّا أن اشتباكات مسلحة لاحقة حصلت بين القوات والجيش اللبناني، انتهت أخيرًا باجتماعه مع عون في بكركي وموافقته على تسليم المرافئ إلى الحكومة.

وعلى الرغم من دعمه لحرب التحرير التي أعلنها عون ضد الجيش السوري، وافق جعجع على إتّفاق الطائف الذي وقّعه ممثلون عن الأطراف المتنازعة في لبنان في 24 تشرين الأول 1989 لإنهاء الحرب الأهلية. عارض عون الاتّفاق، واعتبره خيانة وطنيّة بسبب عدم تناوله الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية. قاد ذلك إلى حرب طاحنة بين القوات اللبنانية وقوات الجيش التابعة لميشال عون عرفت بحرب الإلغاء.

وكان حزب "القوات" من أشرس وأقوى الأحزاب اليمينية التي شاركت في الحرب الأهلية، والتي حكم عليها بحلّها، وتعرّضت إلى الملاحقة والقمع بعد سجن رئيسها جعجع لـ11 سنة في زنزانة داخل مبنى وزارة الدفاع في اليرزة، بثلاث تهم إغتيال لسياسيين، أهمّها عملية اغتيال رئيس الحكومة السابق رشيد كرامي في 1987، وطوني فرنجية مع عائلته 1978 ، و ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون في تشرين الأول 1990، وتفجير كنيسة سيدة النجاة في كسروان في شباط 1994.

وبعد ثورة الأرز 2005 (أي بعد اغتيال رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري) وانسحاب الجيش السوري من لبنان، منح مجلس النواب المنتخب حديثًا سمير جعجع عفوًا عاما خرج به من السجن في 18 تموز 2005، لينضمّ بعدها إلى تحالف 14 آذار، بعد انتهاء الانتخابات النيابية لعام 2005 والتي امتدت من 29 أيار إلى 30 حزيران، وجرت على ثلاث مراحل استحوذت فيها "القوات اللبنانية" على 6 مقاعد نيابية، بقيادة ستريدا جعجع.

شاركت "القوات اللبنانية" بدورتين انتخابيتين بعد انتخابات الـ2005، لتحصد 8 مقاعد نيابية في انتخابات الـ2009 وفق القانون الأكثري بعد ان تحالفت مع "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" و"حزب الكتائب" و"حزب الاحرار"، وعلى 16 نائبا أي ضعف مقاعدها السابقة في انتخابات الـ2018 وفق القانون النسبي (وهي انتخابات عامة كان يفترض أن تجرى سنة 2013، ولكن لفشل مجلس النواب في عملية انتخاب رئيس جديد، قام بالتمديد لنفسه حتى 2018 ).

عاشت "القوات" بين عام 2005 والـ2018 في ظلّ كنف تحالف 14 آذار، قبل أن تقرر شقّ طريقها بمفردها لا سيما بعد الخلاف الذي وقع بين جعجع والحريري، إثر ترشيح الأخير لرئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية بعد أن طرح جعجع اسمه كرئيس للبلاد بعد فراغ رئاسي دام عامين، ليعود بعدها ويعقد اتفاق "معراب" مع "التيار الوطني الحرّ" والذي وصل على إثره عون إلى سدّة الرئاسة.

ما بعد 2018 ليس كما قبله بالنسبة "للقوات"

بعد النتائج التي حصّلها حزب "القوات" في انتخابات 2018، بدأت شعبيته تتوسّع وسط "بروباغندا" ممنهجة سعى من خلالها الحزب إلى تلميع صورته بشعارات قد تنسي البعض تاريخه، بدءا من "صار بدا"، و "أوعى خيّك"، مرورا بـ"أنظف وزراء هني وزراء القوات"، و "ما راحوا"، ووصولا إلى تبني شعارات الثورة ومحاولة ركوب الموجة، وسط "جفا" احتلّ علاقة جعجع بالحريري و"هبات باردة وسخنة" لخّصت علاقة جعجع بجنبلاط، و"قصف جبهات مستمرّ" بين "القوات" و"التيار الوطني الحر"، بدأت فور نكس الطرفين لشروط "اتفاق معراب"، لتستمرّ "القوات" بتصعيدها إلى حدّ مطالبتها باستقالة رئيس الجمهورية ميشال عون.

هذه الشعبوية التي خدمت "القوات" لسنوات ثلاث، بدأت تتراجع بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وعدم استقالة نواب تكتّل "الجمهورية القوية" من المجلس النيابي، وفضيحة تخزين القيادي في حزب "القوات اللبنانية" ابراهيم الصقر للمحروقات، ولوم بعد الحزبيين القواتيين جعجع على إيصال عون إلى رئاسة الجمهورية، وصولا إلى اشتباكات "الطيونة" التي ولو اعتبر البعص أنها ساهمت في شد ّالعصب المسيحي ورصّ القاعدة الشعبية القواتية، في محاولة لاحياء أسطورة "حامي المسيحيين"، إلا أنها وبرأي بعض المراقبين "خوّفت" قسم كبير من الشارع المسيحي، الذي خشي العودة إلى الحرب الاهلية ودفع ثمن أخطاء الزعماء المسيحيين من جديد! وعلى إثر أحداث عين الرمانة الشياح، استدعي جعجع إلى القضاء في مشهد يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين صورة "مجرم الحرب" التي ابتلته، وعمل على مسحها في الأذهان على مدى أكثر من 16 عاما!

فأي واقع انتخابي سيكون بانتظار "القوات اللبنانية"؟ وهل يحاول جعجع افتعال المشاكل لاستنهاض الشارع المسيحي قبل الانتخابات النيابية؟

خطر خسارة 8 نواب!

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المنوي عقدها في 27 آذار، سيواجه حزب "القوات اللبنانية" تحدّيات قاسية، أوّلها خطر خسارة عدد من مقاعده، خصوصا وأن ّجعجع واقع في أزمة سياسية كبرى حيث لا حلفاء لديه!

فحليفه "السني"، أيّ الحريري رئيس "تيار المستقبل" همّه بيكفي، يعيش في تخبّط وحالة ضياع، بعد احتراق ورقته عربيا ودوليا، وسط سلسلة اخفاقات سياسية كان آخرها فشله في تشكيل حكومة، إلى جانب غضب سعودي يعود لعام 2017 بعد اعتقال الحريري في الرياض إثر تهم فساد وجّهت له.

أمّا حليفه الدرزي، فحتى الساعة لم يصدر عن رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط أي مبادرة سياسية في اتجاه "القوات" قد تبشّر بتحالف انتخابي بين الفريقين، على الرغم من تأكيد مصادر "القوات" لـ "الديار" حرصها على "مصالحة الجبل".

وبما أنّ ليس هناك حليف شيعي "للقوات"، ولا تحالف قد يربطهم بـ"حزب الكتائب" هذه المرة، حيث أنّ هذا الأخير توجه معروف، وهو منهمك بعقد التحالفات الانتخابية مع مجموعات "الثورة" ، وهناك خصومة شديدة بين "القوات" و"التيار"، لن يبقى "للقوات" أي حليف، خصوصا وأنّ "مصالحة بكركي" بين جعجع ورئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية بقيت حبرا على ورق ولم تترجم على أرض الواقع، ولا مجال للتحالف على الساحة الشعبية على الاطلاق.

إذا "القوات" وحتى الساعة، وحيدة، يبقى لها بعض "الجيوب" التي تعوّل عليها في الشمال كاللواء أشرف ريفي وبعض العشائر العربية.

وأمام هذا الواقع ستسجّل القوات تراجعا نيابيا قد يصل إلى 8 نواب، كيف؟


خسارة نائب في عكار:

في حال لم يتحالف "حزب القوات اللبنانية" مع "تيار المستقبل" على غرار عام 2018 (لائحة المستقبل لعكار) سيخسر المقعد الروم الأورثوذكس وهو المقعد الذي يشغله حاليا النائب وهبه قاطيشا.

ولعكار 7 نواب، 3 سنة، 2 روم أورثوذكس، 1 ماروني، 1 علوي.

ولا شعبية "للقوات" في طرابلس إلا أنه من الممكن أن يكون لهم مرشحا في لائحة ريفي، في حال أبرم التحالف بين الفريقين، وتبقى حظوظ خرق مرشحهم ضئيلة في هذه الدائرة.


مقعد "قواتي مخوطر" في دائرة الشمال الثالثة:

قد يصعب على "القوات" الفوز بمقعد في البترون (مقعد فادي سعد الماروني) وآخر في الكورة (مقعد فادي كرم الروم الأورثوذكس) في الوقت نفسه، مع استحالة تسجيل خرق في زغرتا، حيث ستصطدم "القوات" بلائحة "التيار" ولائحة "معوّض" المتحالف مع مجموعات المجتمع المدني، ولائحة "المردة" برئاسة النائب طوني فرنجية، وبالتالي يتوقّع الخبراء بالانتخابات، أن يحافظ حزب "القوات" على مقعدين في بشري (مقعد ستريدا جعجع ومقعد جوزاف اسحاق المارونيين) مع خطورة خسارة "مقعد" في البترون (مقعد فادي سعد الماروني) إذا ما تحالف نجل النائب السابق بطرس حرب، مجد حرب، مع معوّض، في تأكيد لما يحكى عن نسج تحالفات بين الاثنين.


"القوات" صامدة في جبيل - كسروان:

سيحافظ حزب "القوات اللبنانية" بحسب الاحصاءات، على مقعده الماروني في جبيل لزياد حواط ومقعده الماروني في كسروان للنائب شوقي دكاش.


مقعد المتن محفوظ "لأبي اللمع":

ستحافظ "القوات" على مقعدها الماروني في المتن، وقد تتمكن من تأمين خرق ثان على المقعد الروم الكاثوليك في حال ترشّح الوزير السابق ملحم رياشي، في وجه النائب إدغار معلوف. إلا أن ّهذا الخرق غير مضمون.


تحالفات الشوف عاليه تحسم نتائج بعبدا:

قد يخسر حزب "القوات اللبنانية" مقعدين نيابيين الأوّل في بعبدا (مقعد النائب بيار بو عاصي) والثاني في الشوف عاليه (مقعد أنيس نصار) في حال لم يتحالف مع "الحزب التقدمي الاشتراكي" .

ليبقى مقعد النائب جورج عدوان الماروني محفوظا في حال تمكّنت الائحة من تأمين الحاصل الانتخابي.


الوضع في الاشرفية لا يطمئن:

لن يشبه الواقع الانتخابي في الاشرفية ما سبقه من الأعوام، فبعد وقوع الطلاق بين "القوات" و"الكتائب"، بعد قرار هذا الأخير خوض المعركة الانتخابية مع المجموعات المستقلّة، والحديث عن مفاوضات مع النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان والتي أصبحت رقما صعبا في الاشرفية، قد تخسر "القوات" نديم الجميل، ما سينعكس سلبا على حاصل الائحة وقد يطيّر مقعد النائب عماد واكيم. إلا في حال رشّحت القوات الوزيرة السابقة ماي شدياق لتحلّ مكان الجميّل على المقعد الماروني وهو السيناريو الأكثر رواجا، حيث لشدياق قدرة على شدّ عصب الشارع المسيحي، وهو ما يبرر اطلالاتها الاعلامية وتغريداتها وتصريحاتها المكثّفة في الآونة الاخيرة.

إلا أنه وحتى إن عدّلت القوات بلائحتها، سيبقى وضعها لا يطمئن، خصوصا إذا ما حسم تحالف الكتائب ونديم الجميل، ويعقوبيان. هذا ولن يكون "للقوات" لائحة في بيروت الثانية.


الجنوب مسدود:

لا حظوظ "للقوات" بالخرق في كلّ من دائرة الجنوب الاولى صيدا جزين، و دائرة الجنوب الثانية (بنت جبيل – النبطية – مرجعيون – حاصبيا)، ولا في دائرة الجنوب الثالثة (صور).

سيزار المعلوف يضرب "القوات" في زحلة:

لعلّ أصعب المعارك الانتخابية التي ستخوضها "القوات" ستكون في زحلة، خصوصا بعد خسارتها للنائب سيزار معلوف الذي لم يعد عضوا في "تكتّل الجمهورية القوية" وطرد من غروبات واتساب "القوات" على حسب تصريحه لموقع "الديار" في مقابلة سابقة، إثر اعتراض "القوات" على موقفه من المازوت الايراني. وفي حال لم تنجح المفاوضات التي يقوم بها النائب جورج عدوان لاعادة المياه إلى مجاريها بين معلوف ومعراب، سيترشّح الأخير منفردا ضامنا فوزه بعد أن وعده "حزب الله" بتجيير أصوات شيعية لصالحه في المنطقة، بحسب المصادر.

وبالتالي ستخسر "القوات" عددا لا يستهان به من الأصوات في حال عدم ترشّح "القيصر" على لائحتها، ما سينعكس سلبا على حظوظ الائحة بالخرق وبالتالي سيضرب مقعد جورج عقيص الروم الكاثوليك.


وضع "القوات" في الهرمل ليس أفضل:

ولا يطمئن أحدا بأنّ وضع "القوات" في "بعلبك الهرمل" مستقرّ، فعلى الرغم من فوز النائب أنطوان حبشي بمقعد نيابي بعد حصوله على 14858 ، إلا أنّ هذا الفوز كان مشروطا بنسبة الاقتراع العالية بعد أن تمكّن "حزب القوات" من حثّ المسيحيين إلى الاقتراع، ولعلّ أبرز من ساهم بهذا النجاح كان فريق عمل حبشي الذي لم يعد موجودا بمعظم اعضائه اليوم، الذين انشقوا عن "القوات" والتحقوا بمجموعات مستقلّة من الثورة، بحسب المصادر.

من جهّة ثانية، لن يفيد "القوات" التعويل على يحيى شمص، لأنّ الأخير غير متاكّد من نيته بالترشّح، وفي حال ترشّح تشير المصادر إلى احتمال ذهابه في لائحة للمستقلين.

أمّا في البقاع الغربي، وبعد استقالة النائب هنري شديد من تكتل "الجهورية القوية"، يتوجّب على "القوات" ايجاد مرشّحا بديلا قويا أو "طار المقعد".

في المحصّلة ووفق هذه الحسابات، قد تخسر "القوات" ما يقارب الـ8 مقاعد نيابية في حال قررت خوض الانتخابات بلوائح منفردة دون حلفاء، لتعود بذلك إلى نتائج عام 2009! 

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !