يعود موضوع ترسيم الحدود البحرية الى الواجهة، رغم عدم اجتماع الحكومة الحالية منذ أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول الفائت، وعدم اتخاذها أي قرار فيما يتعلّق بتعديل المرسوم 6433 لتقوية موقف الوفد اللبناني العسكري المُفاوض على طاولة الناقورة. غير أنّ مهمة كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لأمن الطاقة، والوسيط الجديد في عملية التفاوض بشأن ترسيم الحدود البحرية الجنوبية آموس هوكشتاين التي بدأها الشهر الماضي من لبنان، قد لا تتطلّب العودة الى طاولة المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي ما لم يتمّ التوصّل الى اتفاق بينهما على مسألة الترسيم. فبعد زيارة هوكشتاين للبنان في 20 تشرين الماضي والإستماع الى المسؤولين اللبنانيين، زار "تلّ أبيب" في 8 تشرين الثاني الجاري، على أن يعود الى لبنان ناقلاً وجهة نظر "الإسرائيلي". فما هو الحلّ الذي سيقترحه هوكشتاين، وهل ستتمّ العودة الى طاولة الناقورة، أم أنّ الوسيط الجديد سيكتفي بالجولات المكوكيّة، على ما أراد منذ بدء جولته الى المنطقة، أم ستتم استئناف المفاوضات غير المباشرة بحضوره؟!

أوساط ديبلوماسية مواكبة أكّدت بأنّ هوكشتاين تسلّم هذه المهمة، بعد أن عمل على مسألة الحدود بين عامي 2014 و2017، ويضع لنفسه هذه المرّة مهلة شهرين أو ثلاثة ليس أكثر للتوصّل الى حلّ أو إتفاق يُرضي الطرفين. وحدّد الموعد للإنسحاب من هذه المهمّة، قبل الإنتخابات النيابية المقبلة في ربيع العام 2022.

وبحسب رؤية الوسيط الجديد، على ما أضافت الاوساط، فإنّ طريقة "الديبلوماسية المكّوكية" يجب أن تحصل أوّلاً من أجل تقييم مواقف الأطراف المعنية لتحديد المكمن المُتاح للتفاوض حوله، ومن ثمّ العودة الى الناقورة وإتمام المفاوضات. وهذه الطريقة، هي أفضل برأيه من استئناف المفاوضات غير المباشرة وتعليقها مرّة ثالثة. إذ في كلّ مرّة يلتقي الجانبان برعاية الأمم المتحدة والوسيط الأميركي تُعقد جولات قليلة، لم تتجاوز الخمس جولات منذ انطلاقها في 14 تشرين الأول من العام الماضي، ومن ثمّ تُعلّق لأشهر عدّة. فمنذ 5 أيّار الماضي، لم تُعقد الجولة السادسة، وبقي الوضع على ما هو عليه من المراوحة. أمّا السبب فيعود الى كثرة الطروحات والشروط والشروط المُضادة، وعدم مناقشة وجهات النظر المتقاربة والتي تصبّ في مصلحة الجانبين.

ويجد هوكشتاين بأنّ جولاته على كلّ من الجانبين، تُفضي، من وجهة نظره، الى التوافق على بعض النقاط العالقة، والتي من شأنها، تسيير العمل في المنطقة الحدودية البحرية من قبل الطرفين، وبدء لبنان العمل والتنقيب للإستفادة في السنوات المقبلة من ثروته الغازية والنفطية، كونه بحاجة اليوم الى الموارد المالية لدفع ديونه، ولإعادة تحسين وضعه الإقتصادي والمالي والنقدي والمعيشي..

وتقول الأوساط نفسها بأنّ هوكشتاين يودّ بعد انتهاء الجولات المكوكية اقتراح حلّ (أو تسوية) على كلّ من لبنان والعدو الإسرائيلي، يلقى الموافقة من الطرفين، رغم اتهام كلّ طرف منهما أنّه "منحاز للآخر"، لا سيما بعد أن التقى المعنيين في كلّ من البلدين، واستمع الى وجهة نظرهم. وفيما يتعلّق بلبنان فقد أعرب للوسيط الأميركي عن تمسّكه بالخط 29 كمنطلق للتفاوض كون هذا الخط هو قانوني أكثر من الخط 23، ويضيف الى منطقة النزاع بمساحة 860 كلم2، مساحة جديدة تبلغ 1430 كلم2، فتُصبح منطقة النزاع 2290 كلم2، ولا يُمكن للعدو الإسرائيلي دحضه، وهو يقتطع جزءاً من "حقل كاريش" الذي يعمل الإسرائيلي حالياً في التنقيب في القسم الجنوبي منه. كماعن عدم تنازله عن أي جزء من "حقل قانا" الذي يقطع الخط 23 ويمتدّ الى المساحة المُضافة.

أمّا "الإسرائيلي"، على ما نقل للوسيط الأميركي، فيريد العمل في "حقل كاريش" الذي يدخل نصفه في منطقة النزاع الموسّعة، من دون اعتراض لبنان على ذلك، مقابل عدم اعتراضه على عمل لبنان في "حقل قانا" الذي يدخل ضمن البلوك 72 التابع للعدو الإسرائيلي.

من هنا، أضافت الأوساط عينها بأنّ هوكشتاين يأتي مقترحاً ترسيم خط جديد فاصل بين الخطين 23 و29، بحيث يُصبح "حقل قانا" بكامله للبنان، و"حقل كاريش" بكامله "للاسرائيلي"، بدلاً من اقتطاع جزء من "قانا" وإعطائه للعدو الذي يُرسّم المنطقة الحدودية وفق الخط 1، ومنح لبنان نصف "حقل كاريش" الذي يدخل ضمن الخط 29. وهكذا يكون الخط الجديد الفاصل الذي سيُرسّم، في حال وافق الجانبان على هذا الإقتراح، بعيداً عن الحقول النفطية، أو الآبار الموجودة في المنطقة. ويكون أعطى بذلك للبنان مساحة الـ 860 كلم2 المتنازع عليها سابقاً بكاملها، ولم يقتسمها مع العدو الإسرائيلي، على ما كان يقترح "خط هوف" (بنسبة 55% للبنان مقابل 45% للعدو الإسرائيلي)، ومنحه بالتالي نصف المساحة الجديدة المتنازع عليها أي الـ 1430 كلم2 أي ما يُعادل نحو 715 كلم2 تُضاف الى الـ 860 كلم2 لتُصبح 1575 كلم2 من أصل مساحة الـ 2290 المتنازع عليها. وهذا يُعتبر إنجازاً للبنان، كونه سيجعله يستردّ حقوقه البحرية، فضلاً عن العمل في بلوكاته وحقوله النفطية في المنطقة الحدودية البحرية بسلام، بعيداً عن التعدّي الإسرائيلي عليه.

فهل يتوصّل هوكشتاين الى إرضاء الجانبين قبل الإنتخابات النيابية المقبلة، ويقولها علناً: "لكم حقل قانا، ولهم حقل كاريش"، تُجيب الأوساط عينها بأنّ لا شيء مؤكّد حتى الآن، سوى أنّ الوسيط الجديد لوّح بالإنسحاب من هذه المهمّة، في حال اصطدم بتصلّب في المواقف من قبل أحد الطرفين أو الإثنين معاً. ويقوم بذلك ربّما لحثّهما على الإسراع في اتخاذ موقف موحّد من قبل الحكومة اللبنانية، وبعض التنازل من قبل "الإسرائيلي" الذي لا يدخل في مفاوضات إلّا لتحقيق الأرباح على حساب الطرف الآخر. فتمرير الوقت هباء لا يُحبّذه هوكشتاين، إنّما التركيز والتحرّك بسرعة وكفاءة لتلبية الإحتياجات التي تستلزمها مفاوضات الترسيم غير المباشرة، سيما وأنّ أخذ المزيد من الوقت لا يمنح الأطراف المزيد من المعلومات. فإذا كان هناك استعداد من كلا الجانبين للتوصّل الى اتفاق يُرضي كلّ منهما، فلا بدّ من القيام بذلك في فترة زمنية قصيرة.

وعقّبت الاوساط بأنّ الوسيط الجديد يعلم تماماً بأنّ مهمّته هي لعب دور الوساطة، وليست "إجبار" هذا الطرف أو ذاك على القبول بأي مقترح ضد مصالحه.لهذا استمع الى الطرفين، انطلاقاً من فهم مصالحهما، ومن ثمّ سوف يحضرهما الى طاولة المفاوضات من جديد، للخروج ربّما بحلول وخيارات وفق المقترحات، وعلى كلّ منهما اتخاذ القرار الذي يُناسبه.


الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟