لقد شكل التمويل السياسي الخارجي للقوى السياسية سمة من سمات الحياة السياسية في دول العالم الثالث، اذ ان الاحزاب في الدول الفقيرة عامة تكون غير قادرة على خوض النشاط السياسي بمعناه الفعال من دون تمويل جدي يتيح لها فتح باب الخدمات الاجتماعية او تفعيل ماكيناتها الاعلامية والتنظيمية، لذلك تظهر الاحزاب التي لها انتماءات خارجية في الدول المهيمن عليها عامة.

 شكل التمويل السياسي الخارجي في لبنان احدى اسس العمل السياسي، منذ ما قبل الحرب الاهلية حيث لعبت بعض الدول ادوارا مباشرة وغير مباشرة في دعم تنظيمات سياسية، لكن الحرب كشفت الساحة اللبنانية كليا امام فتح العلاقات التبعية بين الاحزاب والميليشات من جهة ودول الاقليم من جهة اخرى، من ليبيا الى الخليج ومصر الى الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية وحتى اسرائيل.

بعد العام ١٩٩٠، اخذ التمويل طابعا مختلفا، اذ لعبت سوريا دورا بسيطا فيه في المقابل دعم الخليج الاستقرار المحلي بمساعدات للدولة - التسوية التي نتجت عن الطائف اضافة الى دعمه لحراك الرئيس رفيق الحريري في حين تكفلت ايران بدعم المقاومة في لبنان المتمثلة بحزب الله يومها.

عودة التمويل السياسي بمعناه التقليدي كان مع الانسحاب السوري حيث فتحت مزاريب الاموال على فريقي الصراع، الثامن والرابع عشر من اذار، فدعمت السعودية فريقها السياسي بمليارات الدولارات بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠٠٩، وكذلك فعلت ايران، حيث باتت الاحزاب الكبرى والصغيرة على تواصل عضوي مع دول تمويل الدعم المالي ما أفقدها جزءا كبيرا من حريتها...

لكن الانكفاء الدولي عن لبنان، وتحديدا السعودي والازمة المالية في ايران جعلت من المال السياسي يشح عمليا، َقد تكون اسباب اخرى هي التي ادت الى مثل هذه الامور، فعمدت القوى السياسية الى تمويل نفسها بنفسها عبر متعهديها في الدولة اللبنانية الذين حصلوا على مر السنين على مشاريع بمليارات الليرات اللبنانية، فبرز اسم داني خوري مثلا كممول للتيار الوطني الحر وجهاد العرب كممول لتيار المستقبل بالإضافة إلى آخرين تولوا تمويل أحزاب أخرى. لكن هذين الاسمين برزا مؤخراً بسبب العقوبات الأميركية والتي جاءت لترسم خطّاً أحمر لسائر المتعهدين ورجال الاعمال لتحذيرهم من مغبة تمويل السياسيين على أبواب الانتخابات.

يمكن، في هذا السياق تعداد امثلة كثيرة لمشاريع "انمائية" لم يكن يهدف تنفيذها إلا الى تأمين تمويل سياسي لهذا الحزب او ذاك التيار، وفِي طليعة القطاعات التي تعتبر مصدرا هاماً من مصادر التمويل السياسي تأتي النفايات واستيراد النفط والريجي والمرفأ والمنطقة الحرة في المطار وغيرها الكثير. وفي قطاع النفايات تحديدا حاولت القوى السياسية الاستفادة من أزمة النفايات الشهيرة سنة ٢٠١٦ للتأسيس لتمويل يدوم لسنوات طويلة من خلال اعتماد خطة للمحارق والتسويق لها على انها الحل الوحيد الممكن في لبنان. وهكذا تقدم مشروع محرقة النفايات في بيروت الذي حاول مجلس بلدية بيروت تمريره سنة ٢٠١٩ والتي كان من المقترح اقامتها في منطقة الكرنتينا، وشكل هذا المشروع ابلغ مثال على النهج الذي اتبعته الطبقة السياسية المفلسة. مثال يطرح لا على سبيل الحصر، بل لان ايقاف هكذا مشروع واظهار عيوبه وثغرات الفساد داخله من قبل محافظ بيروت يومها زياد شبيب، ادى الى فضح المستور وأدى عملياً إلى الاطاحة بشبيب لأنه تجرّأ على رفض المشروع.

يومها فند شبيب أسباب رفضه للمحرقة ونشرت مطالعته في إحدى الصحف، واظهر عدداً من الثغرات القانونية التي اوحت بأن اصل قيام مشروع المحرقة هو مجرد تنفيعة للاستفادة السياسية. لكن كم من مشروع مرّ بثغراته القانونية مرور الكرام ولم ينتبه اليه احد؟

من ينظر الى سلطة المتعهدين ونفوذهم في لبنان، في السياسة والادارة والاعلام يعرف جيدا ان هذا النفوذ نابع من قدرتهم على تأمين مصلحة القوى السياسية والطبقة الحاكمة...

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !