هناك أشخاصا كثيرة لا تؤمن بالسحر ولا تعتقد به، وهناك كثيرون يعتقدون به ويعملون به سعيا وراء أذية الناس إما حسدا وإما طمعا في زوال النعم عنهم  وأيضا غالبا ما تسمع عن تفريق زوجين عن بعضها، وتشتهر بلدان عديدة بتصديرهذه الأنواع من الشعوذة والأسحار التي عرفت منذ القدم وكان مقرها ومصدرها بلاد النيل وبلاد كنعان وبابل والرافدين وساحل الشام، أما أكثر من تفنن وعمل على تطوير السحر هم اليهود، ولعل السحر الأسود أو "كابالا" هو أقوى أنواع السحر، فما هو هذا السحر وما سره ومن هم أتباعه.

بداية، يقول العالم اليهودي برنار لازاريه في كتابه "مناهضة الشعوب السامية " عام 1934 عن كابالا: " اقتنع الرأي العام العالمي لأسباب كثيرة بميل اليهود إلى السحر والأمر الذي يدعو إلى القلق هو اقتناعهم بهذه الفكرة، وان لها نصيبا من الصحة إلى حد ما. لاسيما وقد كانت منتشرة في القرون الوسطى وكان الناس يعتبرون اليهود سحرة ممتازين. وفي "التلمود" دروس خاصة في الدجل ونحن عاجزون عن تتبع العلوم الابليسية الواردة في التلمود وخاصة كابالا، وكلنا يعرف أن أعلى درجات السحر هو الذي يتم بدم الانسان".

ولنغوص أكثر لا بد من معرفة ما تقوم عليه فلسفة كابالا فهي بنيت على شجرة تسمى شجرة "الحياة" أصلها في السماء وفروعها في الأرض، أي أنها مقلوبة رأساً على عقب حيث تبدأ بالذات العليا في السماء وتنتهي بالعالم الدنيوي في الارض، وتتكون من عشر طبقات تسافر فيها الروح عبر جسد الإله الذي يجسد تلك الشجرة حسب معتقدات اليهود والتي جاء بها نبيهم ومرشدهم الذي اختفى عن الأنظار مدة من الزمن في مغارة نائيه ومن ثم خرج عليهم يقول بإن أسراراً قد كُشفت له، وأنه قد حصل له شكلاً من الكشف أو الوحي الإلهي، وقد ظهرت مجموعة نصوص عندهم جمعوها في كتاب أو سفر يسمى "زوهار" وهي كلمة آرامية معناها النور وقد وضعه "الحاخام" موسى اللبوني، وهو كتاب مشحون بالسحر البابلي وبخرافات القرون الغابرة، ويقع فى 23 مجلدا مكتوب باللغة الآرامية ويكتنفه الغموض والتعقيد، ومشبعة بالألغاز والأحاجي المبهمة.

عبادة الاعداد

وكابالا تعرف أيضا كمذهب عند اليهود وهو مذهب في تفسير الكتاب المقدس يقوم على افتراض أن لكل كلمة ولكل حرف فيه له معنى خفياً، ونشأ المذهب في القرن السابع واستمر حتى الثامن عشر ميلادي وهو محاولة ترمى إلى إدخال روح مستحدثة في اليهودية ولكن لقي أنصاره إضطهادا شديدا رغم أنهم يقولون أن مصدر كل شيء هو الله وأن الشر هو نتيجة البعد عن الله وأن الروح الإنسانية أزلية،وأنها إذا كانت طاهرة تفوقت على الشر وقد أدخلوا عليها بعض نظريات فيثاغور العددية بما يعرف بمذهب "عبادة الأعداد"، وأفكار أفلاطون الميتافيزيقية وبعض تعاليم الديانة المسيحية.

وهناك مدرسة ثانية لكابالا، ورائدها إسحاق لوريا، الذي وُلد في مدينة القدس عام 1534، وأخذته أمه صبيا بعد وفاة أبيه إلى مصر حيث تربى في بيت عمه، وفي جزيرة الروضة بالقاهرة اعتزل الناس وعكف على دراسة مذهب كابالا، وخرج من هذه الدراسة بفكر جديد لهذا المذهب بما يسمى بكابالا الجديدة أو كابالا اللوريانية نسبة إلى اسمه، فجعلها مدخلًا لعلم اللاهوت المعاصر ومدخلًا للفلسفة وعلم النفس، وتكونت له آراء في خلق الإنسان وفيما يسمى بالفراغ الميتافيزيقي، وكذلك في الحكمة الإلهية التي هي في رأيه بمثابة الشرارة في الإنسان، وكلما تحرر الإنسان حسب زعمه من سجن الجسد توهجت تلك الشرارة، وحقق مستويات أعلى من الكشف والصفاء الروحي والمعرفة الذي يسمى في المصطلح الفلسفي "الحدس".

أما أتباع هذا المذهب يؤمنون بتناسخ الأرواح الذي يرسم طريقة عددية في التفسير والتأويل، وهي بالطبع أمور معقدة جداً إذ لم يسمح طيلة قرون سابقة سوى للرجال اليهود المتدينين ممن يناهزون الأربعين أو زادوا عنها وكرسوا حياتهم في الدين اليهودي بدراسة كابالا فقط.

 

مشاهير اعتنقوا كابالا

لعل أشهرهما على الاطلاق الفنانتين الأميريكيتين مادونا وماريا كاري اللتين أعلنتا اعتناقهما لمذهب كابالا اليهودي منتصف الثمانينات، وتبعهم العديد أمثال بريتنى سبيرز وديمى مور وبرباره سترايسند وناومي كامبل ومن علامتهم الفارقة فإنهم يطوقون معاصمهم بخيط أحمر، وأيضا نجم مانشستر يونايتد السابق ومنتخب إنكلترا دايفيد بيكهام وزوجته فيكتوريا، فبيكهام مثلا ومن يراقب يديه يجده يضع شريطا أحمر حول رسغه الأيسر.

 

الخيط الأحمر

يؤمن أصحاب مذهب كابالا بأن الإنسان محاط بقوى شريرة، وينبغى مواجهتها والتغلب عليها بوسائل مختلفة، ومن ذلك وضع تعويذة الخيط الأحمر حول المعصم.. لكنه فى حقيقة الأمر أهم رمز من رموز هذا المذهب.. ويزعم حاخامات كابالا، أن الخيط الأحمر المصنوع من الصوف له قوة سحرية عجيبة، ويكفل حماية الفتاة التى تعقده حول معصمها من التصرفات الطائشة لعشيقها المخمور ويصد عنها نظرات رفيقاتها ويزيد جاذبيتها.

ويشتهر هذا المذهب بممارسة الرجم بالغيب، عن طريق مجموعة من الأوراق يطلق عليها (التاروت)، وفى أوروبا تنتشر عشرات القنوات الفضائية المتخصصة بعرض برامج السحر والتنجيم وقراءة الطالع وعرض الأفلام الإباحية المرتبطة بأفكار مذهب الكابالا ومذاهب أخرى، من بينها  طائفة السر وجماعة الثلاثين وراصدي القيامة والروزا كروشان.


حكمته 

تبحث حكمة كابالا عن سبب وجود الإنسان: لماذا ولد ووجد ولماذا يعيش وما هو هدفه في الحياة من أين أتى وإلى أين هو ذاهبٌ بعدما يُكمل حياته هنا في هذا العالم ؟

علم كابالا ليس مجرد دراسة نظرية لكنه دراسة عملية جدا ً، فمن خلال كابالا يتعلم الإنسان عن نفسه، مَنْ هو وما هي طبيعته. يتعلم عن ما يحتاجه لتغير نفسه حسب كل درجة يُحرزها وخطوة ٌ بخطوة. كما وأنه هو الذي يدير بَحثه هذا في خفايا نفسه وليس آخر، كل هذه الاختبارات العلمية تُجرى عليه وفي داخل نفسه ولهذا السبب دُعيت حكمة كابالا بـ " الحكمة الخفية".


أعراضه

اختير له هذا الاسم لأنه مختص بجلب الضرر للمسحور وعند اليهود يعرف بـ"قبالة" إلى جانب كابالا أي القبول فالمفهوم معاكس والمقصود منه قبول الحبيب لحبيبه ولو عن طريق الأذى، وقيل أنه من سحر الفراعنة وأن اسمه منسوب لكتاب السحر الأسود الذي وجد في مقبرة فرعونية وقاموا بدورهم بتقسيم السحر إلى الأسود والأبيض، وأطلقوا على السحر الذي يجلب المنفعة بالسحر الأبيض على عكس الأسود.


أما أعراض السحر الأسود فتقسم إلى ثلاثة أقسام. أعراض عامة وهي تبدو وكأنها أعراض نفسية كالتوتر المزمن، وكذلك تدهور الحالة النفسية والتي قد يصل الحال بالمسحور إلى الرغبة بالانتحار وكره الحياة، والإصابة ببعض الأمراض التي يصعب تشخيصها اكلينيكيا، ورؤية الكوابيس بصورة متكررة والتي قد تحتوي على الحيوانات المفترسة في بعض الأحيان.

وأعراض وهمية: كأن يسمع المسحور بعض الأصوات التي تهمس له أو تأمره بالأعمال الضارة والقتل أو الانتحار، وربما يشعر بوقوف شخص ما بجانبه أثناء نومه، أو يرى الظلال حوله.

وأعراض المس الشيطاني: على الرغم من عدم الاتفاق بالآراء في هذا النوع من الأعراض إلا أنه متفق على وجودها، كازدياد لمعان العين وازدياد معدل شرب الماء وكذلك ازدياد معدل التثاؤب، وعدم تقبل الروائح العطرية والهروب منها وتأويل العقل لها على أنها روائح كريهة، وربما يصاحبه رائحة فم كريهة عند المسحور، وأيضا جفاف الجلد سريعا في بعض الأحيان. وختاما كما قال الله تعالى في محكم التنزيل: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)، وفي آية (ولا يفلح الساحر حيث أتى).



الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران