اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قالها سقراط منذ اكثر من 2400 عام حين جاءه رجل انيق يتبختر امامه متباهيا بجماله وبلباسه واناقة مظهره.

قالها يومئذ ليعرف قَدْر هذا الرجل ومدى علمه ومستوى اخلاقه.

من هنا اقدر أن ابدأ مقالي هذا. عند الاصغاء الى ما يتفوّه به المرء يمكنك ان تلتمس حقيقة أمره وتكتشف مدى عمقه أو سطحيته!

يمكنك أيضاً أن تعرف الكثير عن ماضيه وعن ما يحمله من تجارب وافكار وعن ما يكتنز من معارف وقيم. يمكنك حتى التأكد من نواياه ومن افكاره التي لم يعبّر عنها. فالمكتوب يُقرأ من عنوانه أي من بضع كلمات فقط!

اسئلة عديدة تُطرح في هذا السياق:

هل بلايا الانسان من خطايا اللسان؟

هل يمكننا ترويض السنتنا على قول القليل المباشر؟

هل بمقدورنا أن لا نقول الاّ الحق؟

كم منا يلتزم بمقولة «خير الكلام ما قلّ ودلّ»؟

كم مرّة خَذَلنا لسانُنا وخانتُنا الكلمات؟

كم من مرّة كلمات هدّت بيوت وهزّت عروش؟

وكم من مرّة كلمة واحدة انقذت نفوساً حزينة وضمضت جراحاً بليغة أو حتى أحيت عظاماً رميمة؟

قِيلَ وكُتبَ عن هذا العنوان العديد من المقالات ونوقِش من العديد من الأدباء وعلماء الاجتماع والفلاسفة، حتى الأديان تطرّقت اليه من بابه العريض!

ممّا لا شك فيه أننا نحن الشرقيين نكثر من الكلام، وفي أغلب الاحيان نكثر الشرح والتبرير ونسهب في تحليل النوايا ونبش الخبايا وحتى تدوير الزوايا. ما أصعب ان نتقدّم في العمر ونحن لم نفقه معاني الكلمات وأثرها على محيطنا وعلى المجتمع عامّة.

هناك العديد من وسائل التخاطب والتواصل والتفاهم بين البشر انفسهم وحتى بين الانسان والحيوان بدءاً من التعبير الكتابي والايماء الجسدي والتمثيل مروراً بالرسم والفنون عامة وصولاً للأصوات والموسيقى. هنا يمكنني ان اقول كم من الامراض عُولجت بالموسيقى وبالفن عامة؟ لكن يبقى التعبير الكلامي اكثر ايقاعاً على الأذن وما يلفظه اللسان اكثر ايلاماً اذا كان مسيئاً واكثر راحة اذا كان مفيداً وبناءً.

اذاً نحن مسؤولون عن كل فكرة أو جملة أو كلمة ننطق بها، بل عن كل حرف نهجّيه!

هذه مسؤولية كبيرة فالكلام الصادر من افواهنا هو مرآة للداخل ،هو الواقع الحقيقي بل هو الذات الصادقة بالفطرة.

نعم في بعض الأحيان تسبقنا الكلمات، لكن في الحقيقة النيّة المخبأة في داخلنا هي التي تسبقنا.فالاغلبية الساحقة من الافكار الدائرة في أدمغتنا تجري بعيداً عن رادار العقل الواعي، فاللاوعي هو الذات الصادقة بامتياز.

على صعيد التربية، نمرّ في الكثير من المراحل الصعبة في التواصل اللفظي ان كان مع أولادنا او مع طلابنا أو حتى مع زملائنا وان لم نستدرك خطورة الكلام المسيء الذي نطقنا به فتكون العواقب وخيمة على كافة المستويات.

فكم من مرّة قلت يا عزيزي القارىء «لا أصدّق أني قلت ذلك»؟

ففي هذه الحالة يفضّل الاعتراف بالخطأ وطلب المعذرة وكل ذلك لتلافي اي تداعيات اخرى.

على الصعيد الديني وبرأيي الشخصي ان كل كلمة بطّالة في حق الناس سنحاسب عليها يوم الدين فالرب سيؤنبنا عن سيئاتنا وعن خطايا السنتنا، وكم هي كثيرة ،من هنا يجب ان نعمل على تدريب انفسنا على قول الحقيقة مهما كانت صعبة ويجب الابتعاد عن الاخطاء التي يقع فيها اللسان من الكبرياء والتعالي والاهانة والاستخفاف بعقول الآخرين والكلام المسيئ والجارح بحق الناس.

ولأن الرب زرع في ذواتنا محبته يجب علينا السير في السلوك الحسن بعيدا عن الكراهية وكلام الشتائم واللعن والنميمة والدسيسة والاّ فالحساب عسير.

كم وكم من المرّات سمعت فلانا يتفوّه بكلمات جارحة وعلاّنا يستغيب الناس وينمّ عليهم وآخر يشتم ويلعن ويحقّر وكم تمنيت لو ان هؤلاء الشتامين هم دون السنة فألسنتهم سبب بلائهم وخيانتهم وسبب تدمير المجتمع عامة.

في النهاية ومن باب الخبرة الذاتية المبنية على تعاليم الكنيسة ومن باب الاطلاع على الاديان الاخرى يمكنني ان اتشاطر معكم ايها القرّاء خبرتي في هذا المجال وكيف تمكنت من السيطرة على ما اقوله والتحكم بردّات فعلي وصون لساني.

من المهم في اساس اي تخاطب هو التكلم ببطئ مقبول وخصوصا عندما تكون في حالة انفعال او غضب فربما لا تستطيع ان تلجم نفسك فتقع في الخطأ ان تسرّعت.

لا تدع العاطفة تعمل مكان العقل فبهذه الاوقات لا تجعل الانفعال هو الذي يجيب ويقرّر مصيرك.

المهم الحفاظ على مشاعر الآخرين وقول ما يجب ان يقال بصدق وشفافية تامة بعيدا عن التحقير والاتهام الباطل والتقليل من شأن الناس ،فمهما علا شأن المتكلم يجب عليه ان يضبط كلامه وان لا يعطي لنفسه حقّ التوبيخ واهانة من هم اقل شأنا منه!...

في الختام ان تكلّمنا بصدق وبلباقة واختصار ندخل عقول الناس وألباب الاطفال وضمائر الشيوخ وبالطبع اسأل نفسك في كل مرة تغضب وتريد ان تتكلم ماذا يقول الرب لو كان مكاني؟

من بعدها تكلّم كي يراك الناس على حقيقتك. 

الأكثر قراءة

المجلس النيابي الجديد امام خطر التعطيل المتبادل والتغيريين «بيضة قبان» اذا توحدوا؟ توازن نيابي بين «القوات» و «التيار».. وحزب الله يحذر «خصومه» من حسابات خاطئة «الطريق» غير «معبدة» امام الحكومة والاستحقاق الرئاسي بانتظار «التسوية» الاقليمية