اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بالمفهوم العلمي العام تُعتبر البطالة من أخطر الظواهر السلبية المنتشرة في العالم والتي تترك آثاراً على اكثر من صعيد بدءاً بالفرد مروراً بالعائلة ووصولاً الى المجتمع. كلنا يدرك انه اذا كان الشخص لا عمل له ويبحث عن عمل معيّن وهو قادر على انجاز هذا العمل فهو عاطل من العمل.

مما لا شك فيه ان هذه الظاهرة الاجتماعية عابرة للمكان والزمان على حدّ سواء، اذ ان التقارير السنوية التي تنشرها منظمة العمل الدولية تشير، مع كل الجهد المبذول لتحسين نوعية العمل وضمان تقاسم مكاسب النمو بشكل عادل، «ان عمق الازمة التي نواجه هو عالمي وان مكافحته ببطء تعيق النمو وتؤثر بشكل خطير في سوق العمل العالمية وان تزايد عدد الناس الذين يدخلون الى القوة العاملة يُعظّم من التحديات المتمثلة في ايجاد اعداد كافية من الوظائف الجديدة».

من هنا تبدأ المشكلة، ففي لبنان هناك غياب تام للسلطة الحاكمة في مكافحة البطالة، اذ لا سياسات ولا دراسات ولا ارقام حقيقية ودقيقة تبين حجم الهوة بين العرض والطلب في سوق العمل.

البطالة في لبنان شاملة واسبابها عديدة، فمع هروب رؤوس الاموال واقفال العديد من الشركات والمصانع والمؤسسات قلت فرص الحصول على عمل وتفاقمت الازمة على كافة الاصعدة وفي شتى القطاعات.

ابدأ في القطاع التربوي الذي نتغنّى به، فعدم الرؤية الواضحة بين الجامعات والمعاهد العالية وسوق العمل انتج متعلمين ومتخصصين ولكن عاطلون من العمل! فما العمل؟

ما هي الخطوات التي ينبغي ان تتخذها السلطات المعنية لخلق توازن بين التخصصات المطلوبة والتخصصات المعروضة؟ ما هو دور التوجيه المهني في المدارس والجامعات؟ وما هي خطة وزارتي التربية والعمل لخلق بيئة تعلميّة مستمرة مدى الحياة تلبي حاجات سوق العمل؟

الكل يدرك ان حجم المتخرجين في الجامعات اللبنانية يفوق بكثير العدد المطلوب في سوق العمل، ليس لأن هذا السوق صغير ولا يستوعب كل هذا العدد فحسب بل لأن اغلبية المتخرجين هم من فئة واحدة، فئة هدفها وظيفة ادارية (ورا المكتب) او وظيفة عامة (موظف دولة) وناهيك بالتخصصات التي تصب في اعلاء شأن العائلة والتي تكون في اغلب الاحيان فائضاً في سوق العمل، الأهل يؤدون دوراً مهما في توجيه ابنائهم ومن ثم تأتي المدرسة والجامعة فكثرة الاطباء والمهندسين والمحامين واساتذة الجامعات والضباط و... ليس هو دليل تطور المجتمع ونمو اقتصاده، بل بالعكس تخمة المتخرجين من هذه الاختصاصات تخلق مجتمعاً استهلاكياً غير منتج وفي اغلب الاوقات تكون ابواب الهجرة هي الملجأ الآمن لهؤلاء من باب (ما الي شغل ببلدي)!

اذا نظرنا الى اكثر الدول تطوراً نرى ان السواد الاعظم من شعوبها هو صاحب مهنة او حرفة او صاحب معمل، ففي المانيا مثلا اكثر الدول الاوروبية انتاجاً وازدهاراً نرى ان الاختصاصات المهنية والتقنية (polythecnique) هي الرائجة وهي اساس التقدم الصناعي فيها. هنا انصح القيمين على التربية في لبنان ان يبادروا الى تغيير جذري في النظام التعليمي العام وتعزيز التعليم المهني والتقني الذي يصب في زيادة الانتاج المحلي ويكون رافعة للاقتصاد اللبناني. وبذلك يكون هذا التغيير هو حجر الزاوية في تقليص نسبة البطالة!

في القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة يمكننا ايضاً ان نحدث تغييرا جذريا فمثلا إعداد خطة زراعية شاملة تصنّف المناطق حسب ملاءمتها لزراعة هذا الصنف او ذاك مع العمل على تطوير طرق الزراعة التقليدية والتوجه الى الـ (Hydroponic system) وادخال بزور وشتول اصناف جديدة من الخضر والفاكهة يكون مدخلا جديدا لفرص العمل المنتج والمربح وبذلك نكون قد ساهمنا مرّة جديدة في تحجيم هذه الآفة الاجتماعية.

اما في قطاع الصناعة والذي هو بمكان ما لا بأس به، فتكمن المشكلة بكلفة اليد العاملة والكلفة التشغيلية خصوصاً اذا كان المنتج يتطلب مواد اولية مستوردة. هنا على الدولة اللبنانية دعم هذا القطاع من بابه الواسع من خلال تقديمات مالية وتسهيلات ادارية واعفاءات ضريبية. فما على الدولة الا العمل على وضع خطة صناعية عصرية من جنوب لبنان الى شماله وخصوصاً في الارياف. فإقامة معامل ومصانع في الارياف تحفز المواطن على البقاء في ارضه وتساهم في تخفيف النزوح الى بيروت وضواحيها وبالتالي تقليص عدد العاطلين من العمل. هنا اطلب من الوزارات المعنية السرعة في استقطاب صناعات نوعية جديدة واقامة مدن صناعية (خصوصاً في البقاع) تجذب من خلالها الاستثمارات الخارجية اليها. فمثلاً انشاء معمل للمأكولات اللبنانية الفاخرة يكون باباً عريضاً للتصدير الى كافة دول العالم. ايضاً يمكن انشاء شركة (software) تضم في كنفها كل الشباب اللبناني المبدع في مجال البرمجة والتطبيقات الذكية، ولا ننسى هنا ان العديد من المبدعين اللبنانيين حول العالم هم في قيادة هكذا شركات!

اذاً ما على المعنيين الا تخفيف الكيدية السياسية والتشنج الانتخابي فيما بينهم وتحويله الى مبارزة في المشاريع الانمائية وتصويب البوصلة الى خلق فرص عمل للشباب اللبناني والذي يذخر بطاقات وابداعات غزت العالم.

بالله عليكم يا ايها المسؤولون حافظوا على طاقات الشباب اللبناني

اعملوا على خلق فرص عمل لهم

ساهموا في جلب استثمارات خارجية

رمّموا الثقة المفقودة بالوطن

اصنعوا لاولادكم واولادنا وطناً قابلا للحياة

في الختام اسأل

هل يمكننا ان نجعل من لبنان قوة عسكرية اقليمية؟ بالطبع لا!

هل يمكننا ان نكون قوة سياسية فاعلة في المنطقة؟ بالطبع لا!

هل يمكننا ان نكون قوة اقتصادية محورية في المنطقة؟

بالتأكيد نعم! وهنا اقول لا يُبنى وطن الا باقتصاد قوي.

اذاً هلموا يا شابات وشباب الوطن الى احداث تغيير جذري في وجهة هذا البلد فتركه بين ايادي حفنة من المتسلطين خطية لا تُغتفَر.

هلموا انفضوا غبار التزلف والتزلم السياسي واعملوا على تغيير شامل يصنع وطناً يوماً ما! 

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!