اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يشتد النقاش في دوائر واشنطن السياسية والإعلامية حول حق حمل السلاح وتقييده عقب كل حادثة لإطلاق النار ينتج عنها وقوع عدد كبير من الضحايا، وبعد أيام وأسابيع تهدأ النقاشات لتتجدد مع وقوع حادثة جديدة.

وبعد 10 أيام من قتل شاب أبيض 10 متسوقين من السود في متجر بقالة بمدينة بافالو بشمالي ولاية نيويورك، عاد الحديث عن معضلة حمل السلاح.

وبعد 9 أيام وقعت مذبحة مدرسة روب الابتدائية بمدينة أوفالدي بجنوب ولاية تكساس، والتي خلفت 21 ضحية منهم 19 طفلا، وهو ما دفع لنقاش حاد وغير مسبوق حول حق حمل السلاح ودستوريته، في الوقت الذي يدرك فيه أغلبية المراقبين أنه لا توجد في الأفق أي حلول عملية لهذه القضية المتجددة.

وهناك 3 عوامل أساسية تحكم على هذه النقاشات بالفشل وتُصعب من تغيير الوضع القائم:

أولا: قوة كبيرة للوبي السلاح

هناك الكثير من الجمعيات والمنظمات الداعمة بقوة للتعديل الثاني في الدستور الأميركي والذي يحمي حق حمل السلاح للمواطنين المدنيين.

وتعد الرابطة الوطنية للسلاح "إن آر إيه" (NRA) أهم هذه التنظيمات، نظرا لتاريخها الطويل الذي يتخطى 160 عاما، إضافة لمواردها المالية الضخمة التي منحتها قوة سياسية واسعة.

ولدى الرابطة 3 هيئات منفصلة، وتهتم "إن آر إيه" بشكل أساسي بتعزيز التدريب والتعليم وسلامة استخدام السلاح، في حين أن هيئة "إن آر إيه-آي إل إيه" (NRA-ILA) هي التي تركز على النشاط السياسي وتعمل ذراع ضغط للمنظمة، وثالثة هذه الهيئات تتمثل في الذراع الخيرية للمنظمة، والتي تقدم خدمات إنسانية واسعة للمحتاجين من إعضائها.

في العام 2020، أنفقت الرابطة الوطنية للسلاح ما يقرب من 250 مليون دولار على جهودها الداعمة لحق امتلاك السلاح كحق دستوري للمواطنين الأميركيين.

وتضغط الرابطة بشدة على جميع مقترحات الحد من سهولة الحصول على الأسلحة، وتجادل بأن المزيد من الأسلحة يجعل البلاد أكثر أمانا.

وهي تعارض بشدة معظم التشريعات المحلية والولائية والفدرالية التي من شأنها تقييد ملكية الأسلحة. فعلى سبيل المثال، ضغطت من أجل إعادة بيع الأسلحة التي صادرتها الشرطة، بحجة أن تدمير الأسلحة هو، في الواقع، مضيعة للأسلحة الممكن استخدامها.

وتمتلك الرابطة نفوذا كبيرا غير مباشر من خلال أعضائها المنخرطين سياسيا، الذين يصوت الكثير منهم بطريقة أو بأخرى بناء على هذه القضية فقط.

وتصنّف الرابطة من جانبها أعضاء الكونغرس الأميركي درجات من "إيه" (A) إلى "إف" (F) بناء مدى دعمهم حقوق شراء السلاح. ويمكن أن يكون لهذه التصنيفات تأثير خطير على أرقام استطلاعات الرأي، بل يمكن أن تُكلف المرشحين المؤيدين للحد من بيع الأسلحة مقاعدهم في بعض الولايات.

ورسميا وثقت الرابطة إنفاق ما يقرب من 3 ملايين دولار سنويا للتأثير على سياسة حق حيازة الأسلحة، ومع ذلك فإن هذة القيمة المالية ليست سوى المساهمات المسجلة للمشرعين، في حين يتم إنفاق ما يقرب من 250 مليون دولار سنويا عن طريق لجان العمل السياسي والمساهمات المستقلة والإعلانات السياسية، وهي أموال يصعب تتبع مسار إنفاقها.

وتناضل "إن آر إيه" من أجل الحريات الدستورية كما تفهمها، خاصة الحق في امتلاك سلاح. وتعارض الرابطة توسيع نطاق نظم التحقق من خلفية مشتري الأسلحة النارية، لأن التحقق من الخلفية لا يمنع المجرمين من الحصول على الأسلحة النارية، ولأن بعض المقترحات للقيام بذلك من شأنها أن تحرم المواطنين من الإجراءات القانونية الواجبة، ولأن الرابطة تعارض تسجيل الأسلحة النارية في قاعدة بيانات فدرالية.

ولا تعترف الرابطة بالتعريف الدارج "للأسلحة الهجومية"، وترى أن هذا النوع من العتاد من بين الأسلحة التي يحميها التعديل الثاني للدستور، إذ إنها تخدم الأغراض الدفاعية.

وتروج الرابطة أن بنادق "إيه آر-15" (AR-15) وغيرها من البنادق شبه الآلية ليست هي الأسلحة النارية الآلية العسكرية كما يصفها معارضو التوسع في امتلاك الأسلحة.

ثانيا: ثقافة أميركية

منح الدستور الأميركيين حق امتلاك السلاح للدفاع عن النفس، ولمواجهة خطر استبداد الحكومة عند تأسيس الجمهورية الأميركية قبل 245 عاما. ومع تطور النظرة الإيجابية للدستور لدرجة تقديس نصوصه من القوى المحافظة، أصبح الجدل لا يتعلق بحق شراء الأسلحة، بل بضوابطها وطبيعتها.

ويمتلك الأميركيون أسلحة نارية أكثر من أي دولة أخرى في العالم، ويستمر هذا العدد في النمو كل عام. وتظهر روح الحرية الشخصية وتطورها على مدى السنين بوضح في علاقة الأميركيين بالسلاح الناري.

وتشير استطلاعات الرأي إلى امتلاك 32% من الأميركيين سلاحا ناريا عام 2021، أي ما يقرب من 106 ملايين أميركي.

ويملك الأميركيون ثلث الأسلحة النارية في العالم أو ما يقرب من 400 مليون قطعة سلاح، أي ما يعادل 120 سلاحا ناريا لكل 100 مواطن.

من ناحية أخرى، يعد الصيد باستخدام الأسلحة النارية جزءا من التراث الثقافي الأميركي، وأداة مهمة لإدارة الحياة البرية، وجزءا مهما من الاقتصاد الزراعي والحيواني.

ويمارس ما لا يقل عن 15 مليون أميركي هواية الصيد، ويعد هؤلاء من بين أبرز المؤيدين للرابطة الوطنية للسلاح.

ويشتري الأميركيون ما يقرب من 40 مليون قطعة سلاح بشكل قانوني كل عام، وفقا لسجلات مكتب التحقيقات الفدرالي.

وقد يفاجأ البعض عندما يعلمون أن ملكية الأسلحة النارية في أميركا تتجاوز الخطوط العرقية والإثنية، وتشير استطلاعات متخصصة إلى أن مشتري الأسلحة متنوعون بشكل متزايد، ويصبحون مالكين للأسلحة لأسباب متنوعة بما في ذلك زيادة انعدام الأمن الناجم عن الوباء وارتفاع الجريمة والتوترات العرقية.

وتبلغ نسب مالكي السلاح بين العائلات البيضاء 47%، وبين السود 37%، و26% بين الهيسبانيك، و20% من العائلات الآسيوية في أميركا.

ويشير مركز بيو للأبحاث إلى ارتفاع نسب امتلاك السلاح في بعض الولايات مقارنة بغيرها، وتبلغ النسبة بين مواطني ولاية مونتانا 66%، ووايومنغ 66%، وألاسكا 65%، وآيداهو 60%.

ثالثا: استقطاب حزبي

بعد وقوع مذبحة المدرسة الابتدائية ومقتل 19 تلميذا ومعلمتين، دعا السيناتور الديموقراطي كريس ميرفي، خلال كلمة عاطفية ومؤثرة أمام مجلس الشيوخ، إلى تمرير قوانين تحد من حوادث إطلاق النار.

وقال ميرفي في كلمته "أنا هنا أتوسل إليكم لإيجاد طريقة لتمرير القوانين التي تجعل وقوع هذه الحوادث أقل احتمالا".

في حين حذر القادة الجمهوريون من مخاطر تسييس حادثة إطلاق النار، وأرجعوا السبب ليس للسلاح المستخدم بل للشخص الذي أطلق النار على التلاميذ.

وعلى الرغم من دعم الأغلبية العظمى من الأميركيين لوضع ضوابط مشددة على شراء الأسلحة الهجومية المتطورة، فإن الجمهوريين ربطوا حق شراء السلاح بقضايا اجتماعية وثقافية ودينية أخرى شديدة الأهمية. من هنا أصبح كل داعمي التشدد في ممارسة حق الإجهاض من الداعمين بالتبعية لحق شراء الأسلحة.

وبسبب انقسام الكونغرس، وعدم تمتع أي من الحزبين بأغلبية 60%، يصعب تغيير أي من التشريعات الحالية الحاكمة لحق شراء الأسلحة النارية.

وفي الوقت الذي حد فيه التعديل الثاني للدستور من قدرة الحكومة الفدرالية على تنظيم شراء الأسلحة، دفع التعديل العاشر بسلطات واسعة للولايات فيما يتعلق بقواعد شراء وضبط استخدام الأسلحة النارية، مثل أين ومتى وأي الأسلحة يمكنك شراؤها أو حملها في الأماكن العامة؟ أما أنواع الأسلحة والميزات القانونية للشراء فتترك للولايات.

في النهاية من شأن إطلاق النار الأخير أن يثير صدمة مضاعفة خصوصا وأن الضحايا من الأطفال، لكن يغيب الأمل في إقرار الكونغرس تشريعات مقيدة لشراء الأسلحة النارية، وهو ما يتطلع إليه ويعمل عليه لوبي الرابطة الوطنية للأسلحة "إن آر إيه".

(الجزيرة)

الأكثر قراءة

استحقاق الرئاسة الى الواجهة: البحث انطلق عن مرشح توافقي حزب الله مستاء جدا من ميقاتي: ينصب نفسه «الحاكم بأمره» عملية تشكيل الحكومة أسيرة كباش «الوطني الحر» مع الرئيس المكلف