اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

"هناك كل العالم. أليس من المنطقي بل من الضروري أن يحكم العالم ... العالم؟" .

السؤال طرحه منذ أكثر من نصف قرن، على صفحات "الاكسبرس"، الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون. اذ قال "كما لو أن آدم وجد هناك"، لاحظ أن ما من اثنية، وما من ديانة، وما من سلالة، الا وتعثر عليها داخل الموزاييك الأميركي الذي رأى فيه "الولادة الثانية للبشرية" !

الصراع البنيوي كان بين السود والبيض . المشهد تغيّر كثيراً . باراك حسين أوباما، الآتي من هاواي، ومن أب كيني، رئيساً للولايات المتحدة . كمالا هاريس، نائبة جو بايدن، داكنة البشرة من أصل هندي. الأبواب لم تعد موصدة، كلياً، أمام السود. وزراء للخارجية وللدفاع . رؤساء أركان، قضاة، فنانون، اعلاميون، بارزون.

اذا كان كل العالم هناك، لماذا كل تلك الغطرسة في التعاطي مع العالم؟ السؤال للكاتب الألماني غانتر غراس، ليرد عليه حورج كينان، صاحب نظرية "الاحتواء"، "لا ندّعي أننا من سلالة السيدة العذراء، لكن المشكلة ليست بأميركا التي لولاها ماذا كان فعل أدولف هتلر، أو جوزف ستالين، بالبشرية ؟" .

وقال "لسنا نحن الذين أشعلنا الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية . بطبيعة الحال، مثلما لم يكن نابليون، أو شارلمان، أميركيين، لم يكن جنكيز خان، وهولاكو، وأتيلا، كذلك. من أجل هذا، طردنا التاريخ، بالعصا، من هذه الأرض".

كينان دعا الى عدم النظر فقط من الناحية العسكرية في التعاطي مع القضايا الدولية . "اينشتاين وصف الكرة الأرضية بـ"الكوكب المجنون" . نحن من عمل، ويعمل، وسط تلك النيران، أو وسط تلك الوحول، للحد من جنون الكوكب الذي لولا دورنا لما بقي له من أثر" .

كثيرون في العالم سخروا من هذا الكلام الملائكي، وان كان يعكس طريقة تفكير "الأدمغة السوداء" في الدولة العميقة، وحيث حلت لغة المصالح محل لغة القيم.

التعليقات، والأبحاث، تملأ الصحف الأميركية. كيف أن الخوف من أن يتقمص فلاديمير بوتين شخصية القيصر، ويحاول اعادة تكوين الأمبراطورية السوفياتية، حمل دولاً في شرق، ووسط، القارة العجوز، كانت تابعة ايديولوجياً ً واستراتيجياً، وحتى بوليسياً، للأمبراطورية على الالتجاء، وهي مذعورة، الى حلف الأطلسي.

على غرار الأمبراطورية الرومانية المقدسة، يحاول مفكرو اليمين تسويق شعار "الأمبراطورية الأميركية المقدسة" التي مهمتها حماية الحضارات، والمجتمعات، البشرية من "قبائل ياجوج وماجوج بتلك الثقافات الماورائية التي يفترض أن يكون مكانها داخل أسوار المقابر"، كما رأى روبرت كيغان الذي صدم الاوروبيين بنظريته "نحن أبناء المريخ وأنتم أبناء الزهرة".

ربما لم يتنبه الى أن "مارس" اله الحرب، والدم، والخراب، في الميتولوجيا الرومانية، أما "فينوس" فهي الهة الحب، والجمال، والرغبة، والرخاء...

ناعوم تشومسكي تحدث عن "السوبرالشيزوفرانيا" الأميركية . البلد الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما هو الذي نشر الروك اند رول في أرجاء الدنيا، والبلد الذي أودى بمئات الآلاف في كوريا، وفي فيتنام، وفي أفغانستان، وفي العراق، اياه الذي جعل نادلة المقهى في هانوي ترتدي الجينز، وتلتهم، بشغف، سندويتش الهمبرغر، هذا دون اغفال دور الشبكة العنكبوتية في الانتقال بالبشرية من زمن الى زمن...

تحت عنوان "سيكولوجيا الآلهة"، رأى أن ما يحدث في أوكرانيا أشبه ما يكون بصراع البقاء بين أميركا وروسيا . أميركا لا تستطيع، وخوفاً من أن تتزعزع كما تزعزعت الأمبراطورية الرومانية، الا أن تكون في غرفة القيادة . روسيا تخشى أن يفضي الصراع الأميركي ـ الصيني المحتمل الى القائها خارج "حديقة الأباطرة".

اللعبة الآن، في نظر المفكر الأميركي، في منتهى العبثية، وربما في منتهى الغباء، لأن تفاعلات استراتيجية هائلة تحدث في هذا القرن. "ثمة زلزال في انتظارنا، ويغيّر مسار الكرة الأرضية ". الأميركيون، والروس، والصينيون، ينتحرون ...

الأكثر قراءة

ماذا يحدث لجسمك إذا تناولت موزة واحدة يوميا؟