اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قد نكون أمام مصطلح يتعدى مصطلح «الواقعية السياسية» الى «الواقعية الاستراتيجية»». كثيرون في الشرق الأوسط يتمنون لو صحت نظرية فرنسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ، ونهاية الايديولوجيا، لدورهما في صناعة الصراعات العبثية، وغالباً الصراعات العدمية. أحياناً تحت عباءة التاريخ الواحد. أو تحت عباءة الايديولوجيا الواحدة...

مراراً رددنا رأي جان دانييل بأن الايديولوجيات في القرن العشرين (الشيوعية، الفاشية، النازية...) تحولت الى أديان، وأن الأديان، في القرن الحادي والعشرين، بما فيها البوذية والهندوسية، تحولت الى ايديولوجيات.

ربما كانت المشكلة عند العرب، بالدرجة الأولى. في ايران، وحيث يتقاطع التاريخ، بكل كبريائه، مع الايديولوجيا، بكل آلامها، وكل توتراتها، نرى دولة تعرف كيف تدخل، بالرغم من الحصار، الى الزمن التكنولوجي.

في اسرائيل، وحيث الايديولوجيا، بالتكشيرة الدموية، وبثقافة الغاء الآخر، تكاد تدخل في السوبرتكنولوجيا، وان كان ذلك يرتبط بكون غالبية اليهود الذين وفدوا الى فلسطين عاشوا في بلدان أوروبية متقدمة..

هكذا ظهرت، عام 1912، فكرة انشاء «التخنيون» (معهد اسرائيل للتكنولوجيا) لدى اليهود الذين هاجروا الى فلسطين حوالي منتصف القرن التاسع عشر (بتواطؤ بين البارون دو روتشيلد والانكليزي كليمنت بالمرستون)، ليفتتح، في جبل الكرمل، عام 1924، أي قبل اعلان قــيام اسرائيل بنحو ربع قرن.

واذا كان فوكوياما قد رأى أن الايديولوجيات، مهما كانت صاخبة، ومهما كانت مؤثرة، في الطريق الى الاضمحلال ما دامت الكرة الأرضية تتجه نحو العولمة، أيضاً نحو الليبرالية، بوجهيها السياسي والاقتصادي، ثمة كلام حول تراجع المد الايديولوجي في ايران أمام المد البراغماتي، بعدما أظهرت سلسلة الحرائق الاقليمية، على امتداد السنوات المنصرمة، أن مسار الأحداث كان لمصلحة الماكنة الأميركية. تالياً لمصلحة الماكنة الاسرائيلية.

بطبيعة الحال، يفترض أن نستغرب تصريح حسين أمير عبد اللهيان حول «تفهم» بلاده لمقتضيات العملية العسكرية التركية على الأرض السورية.

الكلام قد لا يكون فقط بتأثير البعد الكردي الذي يقضّ مضاجع أكثر من دولة في المنطقة، وانما أيضاً بعدما لوحظ أن رجب طيب اردوغان خلع المعطف الايديولوجي (وكان البديل عن المعطف الأتاتوركي)، وراح يلعب في كل الاتجاهات، بعدما باع «الاخوان المسلمين» كنيوانكشارية للنيوعثمانية التي نظّر لها أحمد داود أوغلو.

روسيا، حليفة سوريا، منهمكة في المسألة الأوكرانية، بل في الصراع حول النظام الدولي البديل. وتركيا تبدو وقد اختارت طريقاً آخر للاستقطاب الاقليمي (زيارة كل من السعودية والامارات)، ما يجعل الايرانيين يفكرون في النظر الى العلاقات مع تركيا من زاوية أخرى، تتجاوز كونها احدى البوابات الاقتصادية الرئيسية لاستيعاب تداعيات الحصار، ومع اعتبار دقة الاحتمالات التي قد تهب على المنطقة كنتيجة للاشتباك الدولي الراهن.

السؤال حول ما يمكن أن يتغير في رأس اردوغان وقد راح يتعامل مع قادة «الاخوان المسلمين» بالطريقة التي تعامل فيها مع وجوه معارضة سورية. أحدهم قال لي «لقد أصبحنا هنا كما أكياس القمامة على أرصفة اسطنبول» !

هل تنبّه الرئيس التركي الى أنه مثلما يلعب، تكتيكياً واستراتجياً، على الأرض السورية، هناك الأميركيون، والاسرائيليون، الذي يلعبون أيضاً ؟ الغلبة لن تكون له، في أي حال، ما دامت القوى الغربية بأسرها تعتبر أن السلطنة العثمانية ماتت من مائة عام، ولن تعود الى الأبد.

الظروف (والاحتمالات) الآن مثلما هي في منتهى الضبابية هي في منتـــهى الحــساسية. هل يمكن للديبلوماسية الايرانية أن تقنع اردوغان بأن عودة العلاقات مع دمشق الى «الزمن الجميل» تساعده على الحد من هواجسه حول «الشبح الكردي»، كما ينقذه من أثقال اللاجئين السوريين الذين تحولوا، فعلاً، الى عبء اقتصادي وعبء انساني، وحتى الى عبء عسكري؟

ربما يراهن الايرانيون، اذا ما أخذوا بالواقعية الاستراتيجية، على سقوط السلطان سليم وابنه سليمان، من رأس رجب طيب اردوغان مثلما سقط حسن البنا ورفيقه سيد قطب. الأيام الآتية أيام لكأنها الاعصار... 

الأكثر قراءة

«شلل» سياسي يُعمّق الأزمات وانتظار «ثقيل» لعودة هوكشتاين بالأجوبة الى بيروت مُناورات «إسرائيلية» جديدة لمقايضة الهدوء الدائم «بالترسيم»: الاقتراح «ولد ميتاً» إستياء سوري من وزير الخارجية في ملف اللجوء..المصارف تعود وتلوّح بالتصعيد!