اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بدأ موضوع الشغور الرئاسي بعد انتهاء عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يشغل بال الجميع، حتى راح السجال حوله يأخد اجتهادات قانونية وأبعاداً دستورية حول من سيتولّى صلاحيات الرئيس في حال عدم انتخاب الرئيس الخلف لعون، وإذا كان بإمكان حكومة تصريف الأعمال الحالية أداء هذه المهمة، بدلاً من التفتيش والتوافق على إسم رئيس الجمهورية الجديد للجمهورية. وإذ يطرح المقرّبون من القصر الرئاسي اجتهادات معيّنة، تقابلها اجتهادات مضادة من قبل السراي الحكومي، يجري تأجيل موضوع تشكيل الحكومة الجديدة بدلاً من الإسراع في التوافق عليها والإعلان عنها لنيلها الثقة في مجلس النوّاب الذي سيُصبِح في أول أيلول المقبل جاهزاً لعقد أولى جلسات انتخاب الرئيس، بعد انتهاء عمل اللجان المشتركة فيه، في حال جرت الدعوة الى ذلك من قبل رئيسه نبيه برّي.

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت أنّه بعد انتهاء ولاية الرئيس عون من دون انتخاب رئيس جديد للبلاد، فمن الطبيعي أن تستكمل الحكومة ومجلس النوّاب عملهما، على غرار ما حصل بعد عهدي الرئيسين إميل لحدود وميشال سليمان. غير أنّ وجود حكومة تصريف الأعمال القائمة منذ ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وعدم تشكيل حكومة جديدة بعدها، على ما ينصّ عليه الدستور، سيُدخلان البلاد حتماً، في حال استمرّا، في سجالات وصراعات بدأت منذ الآن حول من سيتولّى صلاحيات الرئيس في ظلّ الشغور، سيما وأنّ الرئيس عون بدأ يحزم حقائبه للعودة الى منزله في الرابية في 31 تشرين الأول المقبل، ولن يبقى في بعبدا لحظة بعد هذا التاريخ،وعلى ما سبق وأن أعلن.

ولهذا يحب أن ينكبّ الرئيس عون والرئيس المكلَّف، بما تبقّى من وقت، ولو قصير، على تشكيل حكومة جديدة تكون كاملة الصلاحيات، لتجنيب دخول البلاد في معمعة طويلة عريضة، على ما نقلت عن دول الخارج، أو ربما في صراع سياسي بين الطائفتين المارونية والسنيّة على الصلاحيات، الأمر الذي لا يريده أي من الرجلين. ولكن، على ما يبدو، فإن المطالب والمطالب المضادة من قبل الفريقين تحول دون التوصّل الى التوافق على تشكيل حكومة جديدة خلال الأسابيع المقبلة، ما من شأنه إبقاء الحكومة الحالية في مكانها.

وعمّا يجري طرحه في وسائل الإعلام عن إمكانية اتخاذ عون طروحات معيّنة، أو قرارات حاسمة تسبق انتهاء العهد، كأن يقوم بتشكيل حكومة إنتقالية، كون حكومة تصريف الأعمال الحالية لا يُمكنها أن تتولّى صلاحيات رئيس الجمهورية، أوضحت المصادر نفسها أنّ الحالتين ستُدخلان البلاد في أزمة أكبر من الشغور الرئاسي المتوقّع. فالجميع يذكر كيف أدّى قرار الجميّل هذا الى معارضة داخلية له، إذ نشأ النزاع بين حكومة عون التي حظيت بتأييد مسيحي وشيعي لها، وحكومة الرئيس سليم الحصّ التي أصبحت منتهية الصلاحية والتي حظيت بدعم السنّة بطبيعة الحال. فضلاً عن "حرب التحرير" التي أعلنها عون على سوريا لكي تنسحب من لبنان، ثم كيف تطوّرت خلافاته مع رئيس "القوّات اللبنانية" سمير جعجع الى اشتباكات مسلّحة بين الجيش و"القوّات" عُرفت بـ "حرب الإلغاء"... وأدّى الأمر في نهاية المطاف الى قصف القصر الجمهوري من قبل المدفعية السورية، والى نفي عون الى باريس لمدة 15 عاماً ومن ثم سجن جعجع لمدة 11 عاماً.. كلّ هذه الأحداث، لا يُمكن للبنان تكرارها اليوم في حال لم يتمّ انتخاب الرئيس الخلف لعون، سيما وأنّه يعيش أزمة إقتصادية ومالية ومعيشية غير مسبوقة تضيّق الخناق على الشعب اللبناني في مختلف القطاعات.

لهذا تجد أنّه في حال لم تتشكَّل حكومة جديدة برئاسة الرئيس المكلَّف نجيب ميقاتي، فبإمكان مجلس النوّاب الجديد المنتخب من الشعب، والذي لم يُعطِ الثقة لحكومة تصريف الأعمال الحالية، والمستقيلة حُكماً بموجب الدستور، أن يطلب سحب الثقة منها، من خلال الطلب من عون القيام باستشارات نيابية مُلزمة لاستبدال الرئيس المكلَّف، بهدف تكليف شخصية آخرى تكون قادرة على تشكيل حكومة جديدة قبل انتهاء العهد الحالي. وبناء على طلب الغالبية النيابية، وليس الغالبية المطلقة (أي النصف زائد واحد)، يستطيع رئيس الجمهورية سحب ورقة التكليف من ميقاتي وتكليف شخصية أخرى يُسمّيها النوّاب خلال الإستشارات.

غير أنّ مثل هذا الطرح قد لا تتبنّاه الأغلبية النيابية، على ما عقّبت، أو قد يُقاطعه البعض لعدم الثقة بجدوى أنّ تكليف شخصية أخرى سيؤدّي حتماً الى تشكيل حكومة جديدة في أسرع وقت ممكن، أو لأي سبب آخر سيما وأنّ الدستور لم يُحدّد أي مهلة معيّنة للرئيس المكلَّف لتشكيل حكومته. وهذا الأمر يُمكن أن يفتح الباب أمام اجتهادات عدّة تتحدّث عن عدم إمكانية سحب ورقة التكليف من يدّ ميقاتي، وعن أن بقاء حكومته حتمي، وإن كانت حكومة تصريف أعمال، كونه لم يتمّ التوافق على تشكيل غيرها.

وترى المصادر عينها بأنّ إمكانية استقالة وزراء "التيّار الوطني الحرّ" الثلاثة من حكومة تصريف الأعمال، لا يُقدّم أو يؤخّر خصوصاً وأنّ الدستور حدّد الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة، ومن بينها فقدان أكثر من ثلث أعضائها. علماً بأنّها تعتبر مستقيلة حالياً بموجب الدستور مع انتهاء ولاية المجلس النيابي السابق. ولهذا فلا أهمية لاستقالتهم أو لخروجهم منها في هذه المرحلة بالذات، واعتكافهم في منازلهم. لهذا فبدلاً من التفتيش عن طروحات ومخارج من شأنها تهديد الإستقرار الداخلي في البلد، ينبغي الذهاب الى اعتماد الحلول الدستورية والقانونية، مثل التوافق على تشكيل حكومة جديدة، أو التوافق على حكومة إنتقالية تدير البلاد الى حين انتخاب الرئيس الجديد. كما يُمكن لاختصار فترة الشغور الرئاسي التي لا تؤدّي عادة إِلَّا للمزيد من الانهيار والتعثّر في البلاد وعدم ثقة المجتمع الدولي بالمسؤولين اللبنانيين، اعتماد الطريق الأقصر، والإتفاق على انتخاب رئيس الجمهورية المناسب لهذه المرحلة.

أمّا أن يجري توسيع صلاحيات الحكومة الحالية، فترى المصادر بأنّه أمر صعب وغير قانوني، خصوصاً وأن "تصريف الأعمال" يحصره الدستور بالمعنى الضيّق، وحكومة ميقاتي لا تجتمع منذ أن أصبحت حكومة تصريف للأعمال، فكيف يُمكن لها أن تقوم بتوسيع دائرة مهامها إذاً وأن تتولّى صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة في حال خلو سدّة الرئاسة؟!


الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله