اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في ثلاثة مجلدات يروي الرئيس الراحل صائب سلام، احداثا وذكريات، حصلت معه، في حياته الشخصية والسياسية، ويدوّن مراحل من تاريخ لبنان الحديث، في عهود او تحت سلطات منذ العام 1905 وهو المولود فيه، الى رحيله في العام 1999.

في 1690 صفحة، لم يترك صائب سلام، تفصيلاً الا وتحدث عنه، من المنزل الذي وُلد فيه، والمكان الذي عاشه في بيروت، الى عائلته مع والده سليم سلام (ابو علي)، حيث اختار في كل مجلد ان ينقل وقائع من حياته، ففي الجزء الاول من مذكراته، التي انتهى من كتابتها في العام 1996، يتناول فيه طفولته، وتعلّمه ومرافقته لوالده في بيروت والحولة ولندن، وكيف دخل السياسة، ليسرد الاحداث المهمة والبارزة، التي حدثت في عهود من اول رئيس للجمهورية في العام 1943 بعد الاستقلال، ثم كميل شمعون ففؤاد شهاب وشارل حلو، والحكومات التي شكلها.

وفي الجزء الثاني من ذكريات صائب سلام والاحداث التي كان فيها شريكا او رافقها، فهي من السنوات 1970 ـ 1982، وهي الاقسى على لبنان، اذ في خلالها حصلت الحرب الاهلية 1975، والاجتياح الاسرائيلي عام 1982، فكان سلام في هذه الحقبة، صاحب الدور الداخلي، والعضو البارز في الحوارات الوطنية، حيث تبرز في هذا الجزء، اهم المراحل التي مرت على لبنان.

ويتحدث سلام في الجزء الثالث من ذكرياته، والتي امتدت من العام 1983 الى 1990، عما جرى من احداث في انتخاب امين الجميل بعد شقيقه بشير، ومؤتمري لوزان وجنيف ثم اتفاق الطائف، وما بينهم من فترات سياسية ودموية.

ان مذكرات صائب سلام، الذي كان شخصية بارزة وفاعلة في السياسة اللبنانية، ، هي حاجة لمن يريد ان يقرأ في تاريخ لبنان، والازمات والحروب التي وقعت فيه، اذ يتعرف القارىء المهتم في الاجزاء الثلاثة، الى بيروت وعائلاتها، كما يدخل في تفاصيل الحقبات السياسية واشخاصها حيث ينقل الرئيس سلام، كل ما يعلم بعفوية، وان ظهر في سرده لوقائع عن «تعال» او «استخفاف» بقيادات وشخصيات ، لا سيما في «بيئته السنية» فلا يوفر احداً في كشف المستور عنه لا سيما في اعطاء رأيه في حدث ما، او توصيف لشخص شغل مناصب سياسية ورسمية.

ان هذه المذكرات التي صدرت بعد حوالى ربع قرن، على انتهاء صاحبها من كتابتها، جاءت في زمانها ولو متأخراً، وفي مكانها، لتعيد شخصية صائب سلام الى الحدث السياسي، وكان في حقبات وطنية وتاريخية من صنّاعه وله تأثير فيه.

فالمذكرات لا سيما السياسية منها، هي مرآة تعكس تاريخ الجماعات البشرية والمجموعات السياسية، وهذه تقرأ في الماضي، للاستفادة منها في المستقبل، لان التاريخ يعيد نفسه احياناً.

و «الديار» تنشر بعض ما ورد في المذكرات، اختارتها للاضاءة على احداث حصلت، اصبحت ذكريات عند صائب سلام.

الفصل الرابع عشر

1954 ـ 1955

العلاقات مع مصر الثورة

في الثالث من تموز 1954 جاء الى بيروت «صلاح سالم»، الذي زارني في منزلي في اليوم التالي ليطلعني على اوضاع الثورة في مصر، وعلى العلاقات السائدة بين ضباط مجلس الثورة، كانت السلطة ظاهرياً آنذاك لم تزل بيد «محمد نجيب» ولكني اعلم ان «عبد الناصر» هو الرجل القويّ في مصر. وقد اقمت لـ «صلاح سالم» عدة احتفالات تكريمية دعوت في بعضها مختلف التيارات السياسية المسيحية منها «حزب الكتائب». ولم يجد هؤلاء مقراً، بعد مناقشاتهم المتعددة مع «صلاح سالم»، وكنا جلوسا في حلقة واسعة في حفلة شاي في «بساتين الغدير»، من الاشادة بالثورة المصرية، رغم حذرهم التاريخي من كل ما هو عربي او مسلم الى ذلك الحين. وصدرت جريدة العمل الكتائبية في اليوم التالي وكلها اشادة بـ «صلاح سالم» والثورة التي يمثل، وهذا خير دليل على ان الاتصال الشخصي له دوره الكبير، وعلى صوابية رأيي القائل بضرورة التفاهم مع المسيحيين، وهو ما كان «عبد الناصر» يتوافق معي ويؤيدني فيه ويلحّ عليه خلال لقاءاته المتكررة مع كل لبناني.

خلال هذه الزيارة، قدم لي «صلاح سالم» دعوة رسمية لزيارة مصر وحضور احتفالات الثورة فيها.

لقاء مع «سلوين لويد»

بعد عودة «صلاح سالم» الى مصر توجهت مع زوجتي للاستجمام في لندن لمدة اسبوعين، وفي الثالث عشر من تموز 1954 لبيت دعوة «سلوين لويد» في وزارة الخارجية البريطانية، وكان وزيراً فيها للشؤون الخارجية، قبل ان يصبح وزيراً للخارجية فيما بعد، وأراد «لويد» من هذه الزيارة ان يستوضحني عن الاوضاع العربية، ولا سيما موضوع مصر و»عبد الناصر» الذي كان قد بدأ يحقق زعامته العربية على مدى واسع، استناداً الى طروحاته القومية ولا سيما مسألة جلاء الانكليز. ولما استفسر «لويد» ـ وكان متأثراً بالتظاهرة التي جرت ضده في البحرين حيث رجموع بالحجارة ـ عن موقع «نوري السعيد» وهل زعامة «نوري»، وهو صديقهم، اكبر من زعامة «عبد الناصر» في العالم العربي، استغربت ذلك واكدت له ان دوره يتحقق من خلال الاتفاق مع «عبد الناصر»، وفي حال الاختلاف فان الرأي العام العربي كله هو الان الى جانب «عبد الناصر».

وفي اليوم التالي دعاني «سلوين لويد» لحضور جلسة في مجلس العموم وجلست في المقصورة الخاصة بكبار الزائرين. وجرت مناقشة عن البلاد العربية، القى فيها «سلوين لويد» كلمة باسم الحكومة، كرر فيها ما قلته حرفياً عن دور «عبد الناصر»، لكن بصيغة قال فيها ان معلوماته قد اكدها له بعض الزعماء العرب، ثم تطلّع نحوي وكأنه يقول: «سمعت»؟ وفي اليوم التالي ارسل لي محضر الجلسة الذي ينشر في مجلة «الهنسر» الخاصة بالمجلس، مع الاشارة بخط احمر الى كلمته عني. والواقع انني تعجبت من موقف وزير الخارجية الانكليزي، ولا سيما انني لم أكن على سابق معرفة به. فقد تبنّى موقفاً سياسياً عاماً يستند الى آرائي الشخصية رغم انني لم اكن وزيرا او نائباً. وقد سمّاني في نصه خطأ «زعماء بدل زعيم» وهذا يدل على تفوق الاتصالات والعلاقات الشخصية بين مسؤولي الدول، على المعلومات الرسمية البريطانية.

أول زيارة لمصر الثورة

نعود الى زيارة مصر. فبعد عودتي من لندن، لبيت دعوة «صلاح سالم» وغادرت الى القاهرة، وبرفقتي الدكتور «وليد الخالدي: زوج شقيقتي «رشا»، وهو المفكر الفلسطيني المعروف، لحضور احتفالات الثورة في القاهرة والاسكندرية.

وفي صباح اليوم التالي زارني «صلاح سالم»، وترك لي أحد مرافقيه ليصحبني في المساء الى موقع الاحتفال في ميدان عابدين. واضطربت هنا عندما اخبرني «صلاح سالم» ان قادة الثورة في حالة تصادم مع اللواء «محمد نجيب»، وان هذا يكاد ينفجر ويؤدي الى اسالة الدماء.

ذهبت الى ساحة الاحتفال مع «وليد الخالدي»، وجلست مع كبار المدعوين العرب والاجانب، تتملكني الخشية مما قد يحصل قبل الاحتفال. وتأخر وصول قادة الثورة والوف الجماهير الغفيرة في حالة غليان.

وبعد ساعة من الوقت المحدد لبدء الاحتفال حسبتها دهراً، وصل الموكب الرسمي لـ «محمد نجيب» ومعه كل قادة الثورة، بسيارة «جيب» مكشوفة، فبدت هتافات الجماهير المحتشدة وكأنها رعود في السماء.

بدأ «محمد نجيب» القاء خطابه المكتوب، فلاحظت، وكنت وراءه مباشرة، انهم حذفوا له غالبية ما ورد فيه، مما يدل على ان «عبد الناصر» امتلك زمام الموقف، ولم يحصل الصدام المتوقع بينهم. بعده، وقف «عبد الناصر» بلباسه العسكري، والقى خطاباً رصيناً وحماسياً، كان يكرر اثناءه للحضور عند هياجهم وحماستهم الشديدة، ان اجلسوا في اماكنكم: «انا اريد ان اخاطب عقولكم ولا اريد استثارة عواطفكم», وتوجه الى الجماهير المحتشدة طالبا بذل الجهد والعمل لتحقيق اهداف الثورة، بدلا من ابداء عواطفهم. ثم اخذ يعدد الانجازات الرائعة التي حققتها الثورة خلال سنتين من انطلاقها. وقد اكد لي هذا الموقف الرجولي والعقلاني صحة اعجابي بـ «جمال عبد الناصر».

...وحكاية من صديقي

«عبد الحليم حافظ»

وعند ذكر الجمهور المصري، لا يمكنني الا ان استرجع بذاكرتي قصة «قطار الرحمة» الذي خصصه «عبد النصار» لنقل كبار فناني مصر، من «عبد الوهاب» الى «أم كلثوم» و»عبد الحليم حافظ» و»فريد الاطرش» وغيرهم، ليكسبوا الجماهير عن طريق الترفيه بالغناء والطرب.

وكان هذا القطار يتوجه الى الارياف فيتوقف في محطة كل بلدة او قرية حيث تستقبله الجماهير الحاشدة لتستمع الى كبار فنانيها، وقد روى لي في هذا الصدد صديقي «العندليب الاسمر» الخفيف الدم «عبد الحليم حافظ» ما جرى معه، عند توقف القطار في احدى المحطات، وكان التعب قد اخذ منه كل مأخذ. فعندما طلب اليه ان يواجه الجمهور الذي كان يصرخ عالياً مطالبا بالاستماع اليه تمنع «عبد الحليم» كثيراً، وعندما اضطروه لارضاء الجماهير بالظهور امامهم، وقف في ذروة حماسة الجماهير واخذ يردد لهم: «واحد وواحد يعملوا اثنين» فيردد الجمهور وراءه من دون وعي «واحد وواحد يعملو اثنين» ـ ثم يقول «واحد واثنين يعملوا خمسة» فيردد الجمهور من دون وعي: «واحد واثنين يعملو خمسة» ـ فيقول «واحد وثلاثة يعملوا سبعة»، فيردد الجمهور من دون وعي طبعا: «واحد وثلاثة يعملوا سبعة». واضاف «العندليب» بظرفه، انه هو هو الجمهور نفسه الذي كان يردد من قبل «يحيا زغلول باشا»... ثم «يحيا النحاس باشا».

وكان «عبد الحليم» كثيراً ما يزورني في دارتي في المصيطبة، وكلما خرج، كان يلتقي جمهورا حاشداً من المعجبين الذين عرفوا بوجوده، فيحيونه ويصفقون ويهتفون له.

في صبيحة اليوم التالي لاحتفالات الثورة في عام 1954، زارني «عبد الناصر» فجأة في فندق سميراميس ومعه «صلاح سالم»، و»جمال سالم»، و»كمال الدين حسين»، وبدأ حديثه ممازحاً قائلا: « تشاركنا الفطور»؟ فطلبت لهم الفطور طبعاً وشاركتهم به. واثناء تناول الفطور بدأ «عبد الناصر» مناقشة القضايا العربية التي في ذهنه معي، وكان «صلاح سالم» اكثر الحاضرين وعياً لواقع الدول العربية، وقد يعود ذلك الى زيارته للبنان واطلاعه على مختلف الاتجاهات السياسية. ولما سألني «عبد الناصر» عن رأيي في كيفية انقاذ سوريا مما تتخبط فيه، نصحته بضرورة التعاون مع العراق لكي يحقق لمصر فاعلية في اطار «جامعة الدول العربية» وفي المسائل الغربية عموما والعمل لمصلحة سوريا. وقد اقتنع «عبد الناصر» يومئذ بهذا الطرح. ثم دعيت لحضور احتفالات الثورة في الاسكندرية يوم 26 تموز، وقد وضعوا بتصرفي يومذاك سيارة «رولز رويس» حمراء اللون، وهي من جملة السيارات التي صادروها من قصر الملك «فاروق»، اقلتني الى الاسكندرية، وكان معروفا في مصر أيام «فاروق» أنه غير مسموح لغيره باقتناء سيارة حمراء، وقد حصل لنا يومذاك حادث اصطدام مروع على طريق الصحراء، تهشمت بنتيجته السيارة التي تنقلنا ونجونا باعجوبة. فور وصولي الى الاسكندرية اتصل بين «محمد نجيب» تلفونياً مهنئاً بالسلامة، ولا سيما بعد مشاهدته السيارة المحمطمة، التي نقلت الى «ثكنة مصطفى باشا» حيث كان ينزل الرئيس «محمد نجيب»، فشكرته واخبرته انني انوي زيارته.

اثناء سيرنا في اليوم التالي، متجهين الى ساحة الاحتفال في الاسكندرية، كانت في المقدمة سيارة «محمد نجيب» ووراءها سيارة «عبد الناصر» ثم سيارتي ومعي المير «مجيد ارسلان» الذي كان قد وصل في اليوم السابق الى مصر. ومما زاد في مخاوفي، رؤيتي الجمهور الاسكندراني يحيط بسيارة «محمد نجيب» ويهتف له مؤيداً بحماسة شديدة، ثم تمر سيارة «عبد الناصر» من ورائه، فكانت الجماهير تحيطها من الجانبين، رافعة قبضات الايدي وهي تصرخ: «يحيا نجيب... يحيا نجيب» بما يبدو رفضاً واضحاً لزعامة «عبد الناصر».

خرجت من ذلك المهرجان داعياً الله ان تمر مناسبة الاحتفالات بخير وسلام، ولا سيما ان الاسكندرانيين كانوا متعاطفين مع «محمد نجيب» ابن مدينتهم.

في اليوم التالي، وقبل مغادرتي الاسكندرية، زرت «محمد نجيب» في «ثكنة مصطفى باشا»، فأبدى استياءه من تصرفات الضباط الشباب. فأخذت اهدىء من غضبه، طالباً منه اخذ الامور بحكمة وبروية الا انه ظل مصرا على نظرته الى الضباط الشباب، كمجموعة من الشباب الاغرار الذين لا يدرون ماذا يفعلون، لولا وجوده معهم، وقال لي:

ـ حاول افهام اصحابك الشباب دول ان يستمعوا لكبيرهم.

مرت احتفالات ثورة 23 تموز المصرية بهدوء وسط اجراءات أمنية هائلة، وفي عودتي الى القاهرة زرت «عبد الناصر» في 28 تموز لتهنئته باعياد الثورة. وتناولنا احاديث عديدة وثقت صلتي به.

وفي المساء دعاني «صلاح سالم» الى تناول طعام العشاء مع جمع من الصحافيين في فندق «ميناهاوس» قرب الهرم. بعد العشاء، انتحى بي «صلاح سالم» جانباً في الحديثة البعيدة عن الاضواء، ليعرض لي وجهة نظره القائلة بانه لا ضرورة لمصر المعاداة بريطانيا، الى ان تستوي امور اخرى عالقة معها ومع السودان ةمع بقيدة الدول العربية، فتكون الثورة عندها اقوى واشد في مواجهة الانكليز. وطلب مني اقناع «جمال عبد الناصر» بوجهة نظره هذه، فوعدته خيراً. وفي صبيحة اليوم التالي بعث لي «صلاح سالم» بضابط لمرافقتي الى المطار، ومررنا

لوداع «عبد الناصر» بداره في المنشية، حيث اكد لي انه سيحاول تسوية الامور مع العراق، وسألني عن سوريا وكيف يكون وضعها في حال عودة «القوتلي» الى الحكم، فاجبته بصراحة مطلقة: «مع تقديري الكامل للقوتلي وجهاده الوطني مع رفاقه في سوريا، تكونون كمن يعيد عقارب الساعة الى الوراء». ونصحته مجددا بالتفاهم مع العراق لان ذلك يسهل الاتفاق مع السوريين وعلى الرغم من طلب صلاح سالم «عدم ذكر الموضوع» اتصلت بعد رجوعي الى بيروت بالسفير الانكليزي «شاتمان اندروز» الذي لم يهتم لهذا الطرح عندما علم بان مصدره «صلاح سالم». وقال لي: «لا قيمة لهذا الرأي ما دام لم يصدر عن الرجل القوي بينهم». وكان يقصد بالطبع «عبد الناصر».

اجتماع «السرسنك»

ما ان عدت من زيارتي للقاهرة حتى ارسل لي «صلاح سالم» برقبة يناشدني فيها باسم القومية العربية، ملاقاته في السرسنك في شمال العراق، كخدمة اقدمها في سبيل تحقيق الوفاق العربي، خاصة انه لا يعرف «نوري السعيد». اعتذرت في بادئ الامر، الا ان «صلاح سالم» اصر وارسل من مصر مرافقه «صلاح فيضي» مندوبا شخصيا ليؤكد لي ضرورة حضوري الاجتماع في العراق، فسافرت الى العراق في 13 آب 1954 ومعي الدكتور «وليد الخالدي».

وفي اليوم التالي، توجهت مع «الخالدي» والصحافي «ناصر الدين النشاشيبي» عبر المنطقة الكردية، من بغداد الى السرسنك، لنلتقي بـ «نوري» الذي كان مستاء من رجال الثورة المصرية، ينتقدهم ويقول لي انهم شباب اغرار لا يفهمون شيئا في السياسة.

وتعود علاقتي بـ «نوري السعيد» الى يوم عرفته في بيروت ايام «فيصل الاول» ثم كانت لنا معه اتصالات خلال وجوده في بيروت بصفة «مندوب لدى الفرنسيين من قبل ملك سوريا». وقد شغل هذا المنصب قبله بطل «ميسلون» «يوسف العظمة» في سوريا، ثم التقيناه في انكلترا واحيانا كان يرافق الملك «فيصل» ملك العراق، وكان قد اصبح رئيسا للحكومة، ورغم ان السرسنك تعتبر مصيفا للعراقيين وان طقسها كان اكثر حرارة من طقس بيروت، وكنا ننام تحت المراوح الكهربائية وعلى ضجيجها.

وصلنا الى السرسنك فوجدنا «فيصل» والوصي «عبد الاله» و «نوري السعيد» ورهطا من الوزراء جالسين تحت شجرة كبيرة حيث تناولنا طعام الغداء معهم. وبعد الغداء اجتمعت بـ «نوري السعيد» الذي استفسر مني عن الضباط المصريين مبديا حذرا نابعا من جهله التام لاشخاصهم. فشرحت له اوضاعهم مبينا انهم يمسكون تماما بزمام امور بلدهم، وهم يعتمدون على انفسهم بثقة عالية بقدرتهم.

وفي اليوم التالي وصل «صلاح سالم» ومعه «محمود رياض»، السياسي والديبلوماسي العربي المشهور، الذي اصبح في ما بعد وزيرا للخارجية في مصر والامين العام لـ «جامعة الدول العربية»، ومن ابرز المصريين معرفة بالشؤون العربية ولا سيما يوم كان سفيرا في سوريا، ومطلعا اطلاعا واسعا على شؤونها، وحتى على شؤون وشجون لبنان وما كان يجري فيه، اكثر من سفير مصر في لبنان المعتد بنفسه «عبد الحميد غالب».

بدأت الاجتماعات بين «صلاح سالم» و»محمود رياض» عن الجانب المصري، والوصي على عرش العراق الامير «عبد الاله» و»نوري السعيد» عن العراق، وعند الجلسات الاولى خرج «نوري» بانطباعات ايجابية عن قادة الثورة في مصر. وقد قلت لـ «نوري السعيد» يومها ان المهم ان يترجم عن هذا الاعجاب الى تفاهم واتفاق بين مصر والعراق. وكان «نوري السعيد» المعروف بـ «الثعلب العتيق» يحضر لـ «حلف بغداد» وهو الحلف الذي سمي لاحقا «مشروع ايزنهاور»، الذي كان يهدف الى انشاء ما سماه «ايزنهاور» حزاما اسلاميا امنيا من تركيا الى العراق، الى باكستان، للسيطرة عليه، وبحجة مواجهة المدّ الشيوعي، في الوقت الذي كان يحاور فيه المصريين. فالمصريان كانا يحدثانه عن حلف عربي لمواجهة الدول الاجنبية، وهو يرد عليهما بطرح فكرة حلف اسلامي مع تركيا وباكستان وايران.

وتوالت الاجتماعات عدة ايام، كانوا اثناءها ياخذوننا الى تناول الغذاء في القرى المجاورة ذات الاشجار الوارفة الظلال والمياه الدافقة. من غداء في 17 آب في قرية يامرني الى غداء في قرية سلاف. وعندما انتهت الاجتماعات ودعت الملك والوصي على العرش و «نوري» وعدت الى بغداد عن طريق الموصل التي لم اكن اعرفها. وفي 25 آب تركت العراق عائدا الى بيروت.

ومن طريف ما اذكر عن زيارة السرسنك ان الوصي على العرش «عبد الاله»، اخذني مرة الى مركز لتربية طير «الفيزون» الذي كان يقيم له بيتا كبيرا من الزجاج. وعندما دخلنا طارت مئات «الفيزونات» محدثة هديرا في صوت طيرانها لا يزال يرن في اذني.

ذكرت هذا عن «الفيزون» لاقول ان الامير «عبد الاله» كان مولعا بصيد «الفيزون» وحاول ان يربيه في احراج السرسنك لكن دون ان يصيب كبير نجاح لان الثعلب كان اقوى من محاولاته كما ذكر لي.

ومن غريب ما رأيت، كان الاعلانات التي وضعها «عبد الاله» في الشوارع، وقد رسم عليها طائر «الفيزون» وكتب تحتها: «ممنوع صيد هذا الحيوان».

لعدة مرات، ذهبت مع الامير «عبد الاله» والملك الفتى «فيصل» و»نوري السعيد» في سيران (رحلات) الى بعض القرى المجاورة التي كان يسكنها بعض الاكراد او الاشوريين، وكانت تلك القرى ذات جمال رائع، فيها الاشجار الباسقة كما تسيل فيها المياه الدافقة، وكانت لنا هناك عدة مباريات بالمسدسات والتصويب على الهدف.

وكان الملك الفتى مغرما بذلك ويقتني المسدسات الخاصة للتصويب، فكان هو اول المتبارين، كما كان من افضلهم مرافق «صلاح سالم» الضابط «صلاح فيضي» وكنت ممن يمارسون تلك الهواية في لبنان.

وفي عدة مباريات – ولا اتبجح في ما اقول – كنت اتفوق في اصابة الهدف.

... وصرت من اشدّ

المتحمسين للتيار «الناصري»

وبعودة «صلاح سالم» الى مصر ولقائه «عبد الناصر»، استنكر الاخير ما ادت اليه اجتماعات السرسنك من نتائج، ووقع الخلاف بين الرجلين، «عبد الناصر» و «صلاح سالم». حالما سمعت بهذا الخلاف، توجهت الى القاهرة لاستيضاح الامر، فوجدت ان «صلاح» معتكف في ثكنة عسكرية قرب منشية البكري.

اجتمعت بـ «عبد الناصر» لاستيضاح الامر محاولا الجمع بينهما. يومها رأى «عبد الناصر» انه لم يعد من مجال للتعاون او التفاهم مع «سالم» الذي تورط مع «نوري السعيد» وانطلت عليه حيله. والواقع ان «عبد الناصر» نظر الى اقتراح «نوري السعيد» على انه مشروع اميركي هدفه تطويق خططه في مجال توحيد الصف العربي. ومما اثار غضب «عبد الناصر» على «نوري» في السابق، نشر اخبار في العراق عن علاقته بسيدة يختلي بها بطوافة على نهر النيل. وقد علّق يومها على هذه الاخبار بقوله لي وهو يضحك: «قل لنوري ان هذه الاساليب لن تحقق رغباته في اثارة المشاكل لي في بلدي. بل على عكس ذلك تماما فانها تقويني لانها مختلقة وكان يمكن ان تضرني لو ان فيها شيئا من الصحة». وقلت في نفسي ان هذا الكلام يتطابق مع شعاري: «لا يمكنك ان تمدح انسانا بافضل من ان تذمه بما ليس فيه».

لما ايقنت من تشدد «عبد الناصر» وتشبثه بموقفه، طلبت منه تأمين زيارة لـ «صلاح سالم» الذي كان معتزلا في بيت خاص للضباط كما ذكرت، فطلب من مرافقه فورا ان يهيئ لي اجتماعا بـ «صلاح».

وفي اليوم التالي، قابلت «صلاح» في «ثكنة العباسية» القريبة من بيت «عبد الناصر» رغم انه كان يرفض استقبال الزائرين، وتباحثت معه في موضوع خلافه مع «عبد الناصر» مشددا على ضرورة تخطي هذه الامور في سبيل المصلحة العامة.

كان مأخذ «صلاح» ان «عبد الناصر» يجازف بتحمل اخطار عدائه لعدة جهات، ويتفرد برأيه حيث انه يرفض الاستماع الى نصائح من حوله. وعلى رغم ذلك اكد لي «صلاح» قائلا: «لو طلب روحي لقدمتها له سواء حاضرا او مستقبلا». ثم تناول من جيب قميصه مصحفا صغيرا كان يحمله واقسم على المصحف بالله على صدق قوله، وهو كان قد رفض استقبال العديد من الضباط الذين اتوا للتباحث في موضوع خلافه مع «عبد الناصر» كي لا تتسع هوة الخلاف وتنعكس بالتالي ضررا على مسيرة الثورة وعلى زعامة «عبد الناصر».

تأثرت من موقف «صلاح» وشدة اخلاصه لـ «عبد الناصر» ونقلت الى الاخير ايجابية «صلاح» ومواقفه الصادقة، الا ان «جمال» تشبث بموقفه من «سالم» مشبها العلاقة بينهما باناء زجاجي مكسور، ولا مجال لاعادته الى سابق وضعه.

تكررت زياراتي لمصر ولـ «عبد الناصر»، واصبح معروفا وقتها في لبنان والعالم العربي انني من اشد المتحمسين للتيار الناصري والعاملين في سبيله. وكان «عبد الناصر» يعرف تماما كيف يضرب ضربته ثم يوظفها اعلاميا، بل انه كان رجل اعلام بعيد النظر من الطراز الاول، كما حصل يوم اقتطع حديقة السفارة البريطانية في القاهرة لشق طريق رئيسية. فلما هنأته على حسن تصرفه وعلى ردود الفعل الاعلامية العالمية التي هللت لهذا التصرف، علّق «عبد الناصر» بقوله: «تأكد انني لو لم اشق الطريق لما حققت هذا المكسب الاعلامي والدعم الشعبي». وقد سمحت لي معرفتي الوثيقة بـ «عبد الناصر» بالتأكد من انه شخصية فذة... كان يحلل ويخطط لكل المهام والقضايا كضابط اركان عسكري، وقد سبق له ان كان استاذا في الكلية الحربية في مصر، وكان يتخذ القرارات ومنها المصيرية وحده.

واذكر في هذه المناسبة انني لبيت يوما دعوة الى تناول العشاء في صوفر. حضرها ايضا «حبيب ابو شهلا» وكان من المتحمسين لـ «عبد الناصر» ومن المعجبين بشخصيته، فسألني: «من هو غوبلز عبد الناصر؟» فقلت له: «انه هو غوبلز نفسه» وكل قراراته، مهما كانت مترتباتها تعود اليه وحده.

انقلاب في سوريا يُعيد

اليها المناخ الديموقراطي

في صيف 1955، وقع انقلاب في سوريا اعاد اليها الحياة الديمقراطية، ورغم وجودي خارج الحكم، واغلاق الحدود بين سوريا ولبنان، فقد شكلت وفدا اسلاميا – مسيحيا من ثمانين شخصا وذهبت الى دمشق في 7 حزيران 1955 لتهنئة الرئيس «هاشم الاتاسي» حيث زرنا مجلس النواب لتهنئة رئيسه الصديق «ناظم القدسي» الذي اصبح رئيسا للجمهورية في ما بعد، وانتقلنا الى السراي حيث زرنا رئيس الوزراء «صبري العسلي» وبعد الغذاء الذي كان بدعوة من الوزير «علي بوظو» قابلت العديد من المسؤولين الاخرين ومن بينهم وزير الداخلية «رشاد جبري» الذي لبى طلبي واعطى امرا ونحن في مكتبه، باعادة فتح الحدود بين لبنان وسوريا، وبان يبقى تنقل مواطني البلدين على اساس تذكرة الهوية. وبعد الظهر، زرنا رئيس الجمهورية الشيخ الجليل «هاشم الاتاسي» في «قصر الرئاسة» والقيت كلمة بالمناسبة، ورد «الاتاسي» بكلمة مماثلة.

وفي العام 1955، شهدت مصر محاولة اغتيال «عبد الناصر» على ايدي الاخوان المسلمين، فزرت «عبد الناصر» وهنأته بالسلامة، ولما عدت الى بيروت تصديت للحملة التي استهدفته بدافع من الاخوان المسلمين وانصارهم، مستنكرا التعرّض للزعيم العربي الاول.

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد