اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قبل أيام من حرب حزيران 1967، اصطحبني أحد أساتذتي الى بلدة بدنايل البقاعية. بالصدفة، التقينا بالضابط الأردني عبد الكريم حيدر، وهو من البلدة، وكان فاراً من الأردن لاتهامه بمحاولة القيام بانقلاب ضد الملك حسين، ليستقر مديراً لاحدى الشركات على البحر الأسود.

من التهم التي وجهت اليه، لادانته أنه لم يصفق لصاحب الجلالة حين زار المعسكر. كان رده "أنا ضابط في الجيش ولست "مزقفاتي"، والا كنت عملت في ملهى الباريزيانا في بيروت.

آنذاك، كنت في ذروة المراهقة السياسية (والثقافية)، وكنت أتصور أنني، بين يوم وآخر، سألحق بالجيوش العربية، على دراجتي الهوائية الى "تل أبيب".

ذاك الضابط الرائع صدمنا بالسؤال "هل تعلمون كم يحتاج موشىي دايان لهزيمة تلك الجيوش" دون أن ينتظر التعبير عن ذهولنا، قال "ساعة واحدة تكفي" .. !

فعلاً هذا ما حصل. في أقل من مائة دقيقة تحوّل الطيران المصري على الأرض، الى حطام. في تلك الليلة الليلاء كان المشير عبد الحكيم عامر، بالشخصية الرثة، ينام وبعد سهرة الحشيش، في أحضان برلنتي عبد الحميد.

حجة الضابط كيف لدولة، بحكم توتاليتاري، وتنتهج أجهزتها أبشع أشكال التنكيل، والتعليب (وأعطى أمثلة صارخة من الأردن)، أن تصنع جيشاً يقاتل من أجل الأرض ومن أجل الحياة، لا من أجل الرجل، ولا من أجل النظام ؟

لنكتشف بعد ذلك، أن الطائرات التي زوّد بها الاتحاد السوفياتي الجيشين المصري والسوري اشبه ما تكون بـ"الطنابر الطائرة" . كيف لها أن تواجه "الميراج" الفرنسية التي وصفها الحاخامات بـ"الطيور النحاسية التي بعث بها يهوه الينا لسحق أعدائنا..." ؟

في ذلك الحين كم بدونا اليتامى في لعبة الأمم. حتى اللحظة، ما زلنا اليتامى لدى المقارنة بين ما تقدمه أميركا لحلفائها، وما تقدمه روسيا لحلفائها.

الحرب في أوكرانيا كانت بمثابة المصيدة التي وقع فيها القيصر، وقد بدا وحيداً في المعركة، حتى لكأننا نسمع قهقهات التنين (الصيني) الذي اكتفى بالمواقف الباهتة والملتبسة، في حين أن البيت الأبيض استقطب غالبية دول العالم التي لكأنها الرعايا في الملكوت الأميركي ...

لا نلقي بكل اللوم على القيادة الروسية، لأن المقارنة ساذجة بين الأرمادا الاستراتيجية الأميركية، بحمولتها الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية والاعلامية، والأرمادا الروسية التي تسابق الزمن، وهي التي تعاني من الوهن البنيوي على أكثر من صعيد.

هكذا رأينا كيف تقهقر فلاديمير بوتين أمام "المقاومة الأميركية" على أبواب كييف، بعدما تبين له أن الهدف تدمير الجيش الروسي بأكمله، وتقويض الدولة الروسية.

الوهن الروسي ظهر على الساحة السورية. الارتباك السياسي والعسكري على السواء. ماذا يستطيع أن يفعل حيال تركيا و"اسرائيل"، الصديقتين رغماً عنه، وهما الدولتان اللتان تنتهكان على مدار الساعة، الأراضي والأجواء السورية ؟ لا شيء سوى محاولة ضبط الايقاع، وتكريس ذلك الستاتيكو العجيب والرهيب!

لنكن أكثر وضوحاً. لا مكان في الشرق الأوسط سوى لأميركا. ما نخشاه أن يطرح البيت الأبيض المقايضة بين الشرق الأوروبي، باعطاء الكرملين أجزاء حيوية من أوكرانيا، والشرق الأوسط بالخروج من سوريا، ووقف التنسيق الاستراتيجي مع ايران.

وكما لاحظنا لم يتجرأ بوتين على تزويد الدولتين الحليفتين بمنظومة "اس . اس ـ 400 " التي قدمها هدية الى رجب طيب اردوغان بكل ذلك الرقص بين المصالح.

لنأخذ علماً بأن الأميركيين يصرون على امتلاك كل مفاتيح المنطقة، كفردوس للطاقة . فهل تتجرأ ايران على صناعة القنبلة التي لا تحتاج الى أكثر من ساعات، وهو ما يمكن أن يحدث تعديلاً صاروخياً في معادلات القوة؟

لننظر الى ما يجري في الداخل الايراني، والى اختراق "الموساد" لمناطق حساسة هناك، وتهديد "اسرائيل" باستخدام الرؤوس النووية. كل ما يمكننا فعله، والحال هذه، اللعب في الزوايا الضيقة، نلملم آلامنا وخيباتنا. وليكن هذا المقال بمثابة مانيفستو اليأس من أحوالنا، ومن أحوال حليفنا الروسي ...

الأكثر قراءة

الأسد استقبل الوفد اللبناني... وميقاتي تجاوب مع موقف «الثنائي» بكسر قانون قيصر «الإشتراكي» يتبنّى العماد جوزاف عون في جولاته... وخلاف سعودي ــ أميركي مع بقيّة الأطراف حول حزب الله المعالجات الحكوميّة للأزمات الإجتماعية على «الورق»... وتشكيك بإجراء الإنتخابات البلديّة