اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يعد موضوع العودة إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات طوال من الغياب أمرا مستهجنا في مجتمعنا اللبناني في السنوات الأخيرة، لا سيّما في عصر الإنفتاح الرقمي الذي يضع بين أيدينا كلّ إمكانات البحث والمعرفة العابرة للحدود.

وبطبيعة الحال، قد لا تسير رحلتنا الأكاديمية الجامعية وفق ما خططنا لها، فقد تمنعنا ظروف قسرية أو طوعية من متابعة دراستنا الجامعية، كالعمل أو الزواج أو السفر أو الظروف الشخصية أو الاجتماعية أو المادية، ولكنّنا قد نقرّر العودة للدراسة في لحظة ما، لنتفاجأ بتحديات لم تكن في الحسبان.

تتحدّث العديد من المواقع الإلكترونية اليوم، حول الصعوبات المشتركة التي قد تواجه الطلاب الراغبين في العودة للدراسة الجامعية بعد انقطاع طويل، منها: تعدّد المسؤوليات الحياتية المتعلقة بالعائلة والعمل، العمر المتقدّم الذي قد يسبّب لدى البعض ضعفا في التركيز والذاكرة وبالتالي صعوبة في الحفظ والدراسة، عدم وجود أشخاص داعمين، الخوف من الفشل، تغيير مستوى الدراسة وأساليب طرح المناهج وسواها من التحدّيات.

«الديار» استطلعت بعض التجارب

في هذا الشأن: هل سأكون متفوقة

كما كنت أيّام الجامعة؟

فاطمة دقماق (40 عاما - أم لثلاثة أولاد)، تخرّجت في الجامعة اللبنانية عام 2005، وكانت طالبة متفوّقة، أشارت لـ «الديار»، أنّها كانت تودّ متابعة دراساتها العليا حينها، لكن حلمها كان مؤجلا حسب تعبيرها، فقد كانت واجبات الأمومة في مقدّمة أولوياتها، ولم تتمكّن من إيداع أطفالها عند ذويها للذهاب إلى الجامعة فمنزلهم يبعد كثيرا عن منزلها.

لم تمح السنين حلم العودة من ذاكرة فاطمة، التي قالت: «كنت حابة كثير إرجع كمّل .. واليوم سنحت لي الفرصة عندما كبر أولادي .. محمّسة كثير إرجع وسعيدة جدا بأنّني اتّخذت هذا القرار»، وكان لفاطمة ما أرادت إذ تمّ قبولها في صف (الماستر 1) في كلية الإعلام والتوثيق-الجامعة اللبنانيّة.

مشاعر الفرح هذه لم تلغ المخاوف أو بتعبير أدق الهواجس التي كانت تؤرق فاطمة قبل بدء عامها الدراسي، كأن لا تتمكن من تنظيم وقتها، أو أن تستجد عليها ظروف معينة تجبرها على التوقف عن الدراسة مجددا، ومخاوف تتعلّق بالتغييرات التي طرأت على الجامعة، والتلاميذ الجدد، وأخرى مثل:» هل سأكون متفوقة كما كنت أيّام الجامعة؟»، وما إذا كان «الدكاترة» والطلاب سيتقبّلونها، لكن سرعان ما تبدّدت هذه المخاوف حين بدأت يومها الأول، فالجميع تعاطى معها بشكل طبيعي، كما تعرّفت إلى أشخاص بنفس عمرها يكملون دراستهم، ما أشعرها بالراحة للجو الجامعي المستجد في حياتها.

زوج فاطمة وأولادها كانوا أوّل المشجعين والداعمين لها حين اتخذت هذه الخطوة، فيما لم يخل الأمر من بعض النهفات من قبل أولادها:» ابنتي بتلحقني على الباب وبتقلي ما تنسي كتابك بالجامعة، وابني بيسألني إذا كنت عم ضيع وقت!».

فاطمة تعتبر أنّ العام الجامعي لا يزال في أوّله، ما لا يمكّنها من معرفة ما إذا كانت ستواجه تحديات جديدة لاحقا أم لا، لكن الصعوبة الوحيدة المتأكدة منها حتى الآن هي الدوام المسائي المتأخر خصوصا أنّ الوضع الأمني ليس جيدا، على أنّ هذا الأمر يدرس بين مكونات العملية التعليمية في الجامعة من إدارة وطلاب وأساتذة للوصول إلى حلّ يرضي الجميع.

لم يكن قرارا سهلَا

بدورها نانسي عمر ( 33 سنة) و زميلة فاطمة الجديدة، تخرّجت سنة 2010 من الجامعة اللبنانية-كليّة الإعلام والتوثيق، أخبرت «الديار» حول تجربتها:»لم يكن قرارا سهلا خاصة مع كوني أما لثلاثة أطفال وموظفة في مؤسسة إعلامية، الطموح بالدرجة الأولى هو الذي دفعني للعودة إلى الجامعة بعد اثني عشر عاما من التخرّج، إضافة إلى شغفي بعالم الإعلام الذي أعتبره الباب الرئيسي لتوجيه أيّ رسالة للمجتمع، حيث تعدّ الوسائل الاعلامية على اختلافها مؤثرا بارزا وأساسيا في المجتمع بكلّ أطيافه.

تكمل نانسي الحديث عن الدافع الثالث المتمثّل بتشجيع والدها المتوفى لها، والذي كان يوصيها دائما بمتابعة تحصيلها الدراسي ونيل أعلى الشهادات مهما كانت الظروف، وأردفت:»» لذا قرّرت أن اتقدّم لدراسة الماجستير في الصحافة والإعلام، علّني أصل من خلالها لشهادة الدكتوراه فيما بعد»، معبّرة عن طموحها بدراسة اختصاصات أخرى تزيد رصيدها من المعارف والعلوم المتنوعة التي تفيدها في عملها وحياتها عموما.

سعادة نانسي كانت كبيرة بقبولها في الجامعة هذا العام، فالعدد المقبول كان قليلا نسبيا مقارنة بالأعوام السابقة، «شعرت بأنّ هذا إشارة لي، وبأنّها فرصة قد لا تتكرّر ويجب أن أستغلها، وكلّ أملي أن أتمكن من إنهاء هذا العام الدراسي بنجاح، وأن تساعدني الظروف لأنتقل للمرحلة المقبلة بنفس الحماس الذي أشعر به اليوم».

تأسيس موقع إعلامي

إلكتروني خاص بي

العودة إلى مقاعد الدراسة لا تقتصر على الجنس اللطيف، رغم ندرة العائدين من الذكور. الشاب علي حمادي (29 عاما) والذي يعمل حاليا مصوّرا في مؤسسة إعلامية، تخرّج سنة 2011 بكالوريا فنيّة، إختصاص «محاسبة»، يدرس اليوم سنة أولى في إختصاص الإعلام الرقمي في جامعة خاصة إنضّم إليها هذا العام، علما أنّ رغبته بمتابعة دراسته الجامعية تعود لأربع سنوات مضت.

اختيار علي لهذا الإختصاص يعود إلى أنّه يتوافق مهنته الحالية، عطفا على رغبته بتطوير مهاراته في عالم الإعلام على كافة الصعد، إضافة إلى شغفه بالكتابة، وطموحه بتأسيس موقع إعلامي إلكتروني خاص به.

يصف علي الأجواء الجامعية بعد طول الغياب بـ «اللطيفة جدا»، رغم شعوره بالقلق والتوتر قبل أن يبدأ عامه الدراسي، إلّا أنّه بعد مضي بعض الوقت استتبت الأمور، لتبقى الصعوبة الوحيدة التي لا تزال تؤرقه هي عدم توافر الوقت الكافي للدراسة، ليعود ويقول:» المسألة تحتاج إلى قليل من الوقت للتأقلم والتعود على الوضع الجديد».

خلاصة القول... رغم كلّ الظروف الصعبة، لا يزال يتسلح لبنانيون كثر بالإرادة والعزيمة والطموح لكتابة غد أفضل مجبول بالعلم والأمل، في ظلّ ما يحيط بنا من جهل وألم. 

الأكثر قراءة

الدولار حطّم الرقم القياسي وأشعل المحروقات مع تخطيه 140 الف ليرة ليتراجع 30 الفاً مصادر بكركي لـ «الديار»: خلوة 5 نيسان روحية والبطريرك لا يضع مصيدة امام النواب دعوة شعبية عارمة للتجمع في «رياض الصلح» احتجاجاً على انهيار الأوضاع المعيشية